Skip to main content
"الشلوي": من الغاز المهدور إلى القيمة المضافة.. ليبيا تعزز مسار خفض الحرق والانبعاثات وتدعم أمنها الطاقي
|

“الشلوي”: من الغاز المهدور إلى القيمة المضافة.. ليبيا تعزز مسار خفض الحرق والانبعاثات وتدعم أمنها الطاقي

كتب: الخبير الاقتصادي والنفطي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

يمثل التزام ليبيا بخفض حرق الغاز والانبعاثات، ولا سيما انبعاثات غاز الميثان، تحولاً مهماً في مسيرة تطوير قطاع النفط والغاز، ويعكس توجهاً مؤسسياً يجمع بين المحافظة على الإنتاج، ورفع كفاءة العمليات، وحماية البيئة، وتعظيم الاستفادة الاقتصادية من الموارد الهيدروكربونية.

ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ظل التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة العالمي، حيث لم تعد كفاءة الصناعة النفطية تقاس فقط بمستويات الإنتاج والاحتياطي، بل أصبحت تشمل كذلك القدرة على إدارة الانبعاثات، وخفض الفاقد، وتحسين استخدام الغاز المصاحب، وتطبيق التقنيات الحديثة في عمليات القياس والرصد والتحكم.

ومن واقع خبرة ممتدة في قطاع النفط والغاز، وما سبق تناوله في عدد من المقالات والأوراق الفنية والاقتصادية حول خفض حرق الغاز والوصول إلى هدف صفر حرق روتيني بحلول عام 2030، فإن الجهود الحالية تمثل امتداداً عملياً لمسار وطني مهم، يربط بين البعد البيئي وحسن إدارة الثروة، ويحول الغاز من منتج مصاحب قد يتعرض للحرق إلى مورد اقتصادي يمكن توظيفه في الكهرباء والصناعة وتعزيز أمن الطاقة.

وقد أثمرت جهود المؤسسة الوطنية للنفط وشركاتها خلال عام 2025 عن خفض أكثر من 100 مليون قدم مكعب من الغاز المحروق، فيما تقترب الجهود خلال عام 2026 من تحقيق خفض يتجاوز 180 مليون قدم مكعب.

وتعكس هذه الأرقام تقدماً ملموساً في تنفيذ البرامج والمشروعات المرتبطة بتطوير البنية التحتية، وتحسين كفاءة التشغيل، واسترجاع الغاز، واستخدام التقنيات الحديثة في إدارة العمليات والانبعاثات.

كما تؤكد أن قطاع النفط الليبي يمتلك القدرة الفنية والبشرية على تحقيق نتائج متقدمة في هذا المجال، مستفيداً من خبراته المتراكمة ومن التعاون مع المؤسسات الدولية المتخصصة في الطاقة والبيئة.

الغاز المصاحب مورد اقتصادي واستراتيجي

يمثل الغاز المصاحب أحد الموارد المهمة الناتجة عن عمليات إنتاج النفط، ويمكن أن يكون له دور اقتصادي كبير متى جرى تجميعه ومعالجته وتوجيهه نحو الاستخدامات المناسبة.

فالغاز المسترد من عمليات الحرق يمكن استخدامه في توليد الكهرباء، وتشغيل المنشآت النفطية، وتغذية الصناعات البتروكيماوية والأسمدة، وإنتاج غاز الطهي، أو إعادة حقنه في المكامن لدعم الضغط وتحسين معدلات الاستخلاص النفطي.

كما يتيح استخدام الغاز بدلاً من بعض أنواع الوقود السائل تحقيق قيمة اقتصادية إضافية، من خلال توفير كميات من النفط الخام والمنتجات القابلة للتصدير، وخفض تكاليف تشغيل محطات الكهرباء والمنشآت الصناعية.

ومن هنا، فإن خفض حرق الغاز يجسد مفهوم الإدارة المتكاملة للموارد؛ لأن فائدته لا تقتصر على تقليل الانبعاثات، بل تشمل رفع كفاءة استثمار الثروة، ودعم الاقتصاد الوطني، وتحسين موثوقية إمدادات الطاقة.

وليبيا، بما تمتلكه من احتياطيات نفطية وغازية وموقع جغرافي قريب من الأسواق الأوروبية، قادرة على تحويل برامج خفض الحرق والانبعاثات إلى أحد عناصر القوة في قطاعها الطاقي، وإلى رافد داعم للتنمية الاقتصادية والاستدامة.

أهمية إدارة انبعاثات الميثان

يحظى غاز الميثان باهتمام متزايد في صناعة النفط والغاز العالمية، نظراً إلى تأثيره المناخي وقيمته الاقتصادية في الوقت ذاته.

فالميثان هو المكون الرئيسي للغاز الطبيعي، وأي كمية يجري استردادها من التسربات أو التنفيس أو الحرق غير الضروري تمثل مورداً إضافياً يمكن الاستفادة منه بدلاً من فقدانه.

ولهذا اتجهت الشركات والدول النفطية الكبرى إلى تطبيق برامج متقدمة للكشف عن التسربات، ومراقبة خطوط الأنابيب والخزانات والصمامات والضواغط، واستخدام أجهزة استشعار وتقنيات تصوير وقياس متطورة، إلى جانب الاستفادة من الأقمار الصناعية والمنصات الرقمية.

وتنسجم الخطوات الليبية الحالية مع هذا المسار العالمي، ولا سيما من خلال تبني أفضل الممارسات، وتطوير أنظمة الرصد والقياس، وتحسين كفاءة العمليات التشغيلية، وتوسيع التعاون الفني مع الجهات الدولية المختصة.

وهذا التوجه يعزز مكانة القطاع النفطي الليبي ضمن صناعة الطاقة الحديثة، التي أصبح فيها الأداء البيئي والتشغيلي جزءاً أساسياً من القدرة التنافسية وجودة الإنتاج.

الانضمام إلى OGMP 2.0 خطوة مؤسسية مهمة

يمثل انضمام ليبيا إلى برنامج OGMP 2.0 التابع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة خطوة مهمة في مجال تعزيز الشفافية البيئية وتطوير أساليب قياس وإدارة انبعاثات الميثان.

ويعد البرنامج واحداً من أبرز الأطر الدولية المعنية بجمع بيانات الانبعاثات وتحسين دقتها، ونقل المعرفة الفنية، والاستفادة من أفضل التجارب في صناعة النفط والغاز.

وتتيح المشاركة في هذا الإطار لقطاع النفط الليبي فرصة مهمة لتبادل الخبرات مع الشركات والمؤسسات الدولية، وتطوير القدرات الوطنية في القياس والتحليل، والاستفادة من أحدث التقنيات المستخدمة في مراقبة الانبعاثات وإدارتها.

كما تعكس المشاركة التزام ليبيا بالتعاون الدولي في مجال البيئة والطاقة، وتبرز قدرتها على التفاعل الإيجابي مع المبادرات العالمية، بما يحافظ على مصالحها الاقتصادية وخصوصية قطاعها النفطي.

ولا ينفصل هذا المسار عن المكانة التي يحتلها النفط والغاز الليبيان في الأسواق الدولية، ولا سيما أن الدول المستوردة أصبحت تولي اهتماماً متزايداً بمستويات الانبعاثات المصاحبة للإنتاج.

ومن شأن الالتزام بالمعايير الدولية في القياس والإفصاح أن يعزز الثقة في المنتجات النفطية الليبية، ويدعم قدرتها التنافسية، ويضيف إلى مزاياها المعروفة من حيث الجودة والموقع الجغرافي والقرب من الأسواق.

التكامل بين النفط والغاز والكهرباء

يكتسب خفض حرق الغاز في ليبيا بعداً إضافياً في ظل أهمية الغاز الطبيعي لمنظومة الكهرباء.

فزيادة كميات الغاز المتاحة لمحطات التوليد تسهم في دعم استقرار الشبكة الكهربائية، وتقليل الاعتماد على الديزل والوقود السائل، وتحسين الكفاءة التشغيلية والاقتصادية لمحطات الطاقة.

كما يساعد توجيه الغاز إلى الاستخدام المحلي على تحقيق تكامل أكبر بين قطاعات النفط والغاز والكهرباء والصناعة، ويجعل مشروعات استرجاع الغاز جزءاً من منظومة وطنية مترابطة، لا مجرد مشروعات منفصلة داخل الحقول.

ويمثل هذا التكامل أحد أهم الدروس المستفادة من التجارب الدولية والإقليمية، حيث نجحت عدة دول منتجة في تحويل الغاز المصاحب إلى أساس لتوليد الكهرباء وتطوير الصناعات البتروكيماوية وإنتاج الأسمدة والمعادن.

وقد أظهرت هذه التجارب أن الاستثمار في شبكات تجميع الغاز ووحدات المعالجة والضغط والنقل يحقق عوائد اقتصادية تمتد آثارها إلى قطاعات متعددة، ويحول الغاز المصاحب من منتج ثانوي إلى عنصر رئيسي في الاقتصاد الوطني.

الاستفادة من التجارب الإقليمية والدولية

تقدم التجارب الدولية نماذج متنوعة يمكن الاستئناس بها وفقاً لظروف كل دولة وطبيعة حقولها وبنيتها التحتية.

فقد تبنت بعض الدول الأوروبية المنتجة أنظمة دقيقة لإدارة الحرق والانبعاثات، واستثمرت بصورة مبكرة في تقنيات القياس والمراقبة وتحسين الكفاءة التشغيلية.

كما نجحت دول آسيوية في خفض معدلات الحرق من خلال تطوير شبكات تجميع الغاز، وربطها بمحطات المعالجة والكهرباء، وتوجيه الغاز المسترد إلى الاستهلاك الصناعي والمحلي.

وعلى المستوى الإقليمي، أقامت بعض الدول الخليجية منظومات متكاملة لجمع الغاز المصاحب ومعالجته، وأسهمت هذه المنظومات في تأسيس صناعات بتروكيماوية كبيرة وتوفير وقود مستقر لمحطات الكهرباء والمنشآت الصناعية.

وتؤكد هذه التجارب أن إدارة الغاز المصاحب تمثل أحد أهم مجالات التكامل بين السياسة النفطية والسياسة الاقتصادية، وأن ما يتحقق من خفض للحرق يمكن أن ينعكس في صورة كهرباء وإنتاج صناعي وإيرادات وفرص عمل.

وتستطيع ليبيا الاستفادة من هذه الخبرات مع مراعاة خصائص قطاعها، وتوزيع حقولها، وطبيعة بنيتها التحتية، والاحتياجات المحلية للطاقة، بما يدعم البرامج والمشروعات الجاري تنفيذها.

التكنولوجيا والكوادر الوطنية

تمثل التقنيات الحديثة عنصراً أساسياً في برامج خفض الحرق وإدارة الميثان، إلا أن القيمة الحقيقية لهذه التقنيات تتحقق من خلال الكفاءات الوطنية القادرة على تشغيلها وتحليل بياناتها وتطوير استخدامها.

ويمتلك قطاع النفط الليبي خبرات تراكمية وكوادر فنية وهندسية مؤهلة في مجالات الإنتاج والمعالجة والصيانة والسلامة والبيئة.

ومن شأن التعاون مع برنامج الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجهات المتخصصة أن يدعم برامج التدريب ونقل المعرفة، ويساعد على توسيع استخدام أدوات القياس والرصد والتحليل الرقمي.

كما تتيح الورش التشاورية فرصة لتبادل التجارب بين الشركات والمختصين، وعرض المشروعات البيئية والتقنية، والتعرف إلى أحدث الممارسات في إدارة الميثان والاستجابة للانسكابات النفطية والطاقات المتجددة.

ويعزز هذا النوع من الفعاليات الثقافة المؤسسية المرتبطة بالاستدامة، ويجمع الخبرات الفنية والاقتصادية والبيئية حول أهداف مشتركة تخدم قطاع النفط والاقتصاد الوطني.

خفض الحرق ودعم تنافسية النفط الليبي

أصبح الأداء البيئي أحد العناصر المؤثرة في تقييم شركات النفط والدول المنتجة، وفي قرارات التمويل والاستثمار والتعاقدات طويلة الأجل.

ولذلك فإن تقدم ليبيا في خفض الحرق والميثان يمنح إنتاجها ميزة إضافية، ويعزز صورة النفط الليبي باعتباره نفطاً عالي الجودة يتم إنتاجه ضمن مسار متطور لتحسين الكفاءة وخفض الانبعاثات.

وتزداد أهمية هذا الجانب بالنظر إلى قرب ليبيا من السوق الأوروبية، وإلى التحولات التنظيمية التي تشهدها أسواق الطاقة في ما يتعلق بقياس البصمة الكربونية وانبعاثات الميثان.

ومن ثم، فإن برامج خفض الحرق لا تخدم البيئة والاقتصاد المحلي فقط، بل تدعم أيضاً الموقع التجاري للصادرات الليبية، وتحافظ على قدرتها على الوصول إلى الأسواق ذات المتطلبات البيئية المتقدمة.

كما تسهم هذه البرامج في جذب الشركات والتقنيات والاستثمارات التي تولي أهمية لمعايير الاستدامة، وتفتح مجالات جديدة للتعاون في مشروعات الغاز والطاقة النظيفة وتحسين كفاءة المنشآت.

من خفض اللهب إلى تعظيم القيمة

يمثل خفض أكثر من 100 مليون قدم مكعب خلال عام 2025، والاقتراب من خفض يتجاوز 180 مليون قدم مكعب خلال عام 2026، مؤشراً إيجابياً على تقدم الجهود الوطنية في هذا المجال.

كما يعكس الانضمام إلى برنامج OGMP 2.0 وعقد الورش التشاورية المتخصصة توجهاً مؤسسياً نحو تطوير إدارة الانبعاثات، والاستفادة من التعاون الدولي، وتوسيع استخدام التقنيات الحديثة.

وهذه الخطوات تتكامل مع ما سبق طرحه حول الوصول إلى صفر حرق روتيني بحلول عام 2030، وتحويل الغاز المصاحب إلى مورد يدعم الكهرباء والصناعة والإنتاج النفطي.

فالغاز الذي يجري استرداده هو طاقة إضافية للاقتصاد، ووقود لمحطات الكهرباء، ومادة خام للصناعة، وقيمة يمكن توظيفها في التنمية.

ومن هنا، فإن الجهود التي يقودها قطاع النفط في خفض الحرق والانبعاثات تمثل مساراً وطنياً يجمع بين حماية البيئة وتعزيز أمن الطاقة وتحسين كفاءة الإنتاج وتعظيم العائد من الثروة الطبيعية.

وكل كمية من الغاز يجري إنقاذها من الحرق هي خطوة إضافية في اتجاه اقتصاد أكثر كفاءة، وقطاع نفطي أكثر تنافسية، ومستقبل طاقي أكثر استدامة.

إن الانتقال من الغاز المهدور إلى القيمة المضافة ليس شعاراً بيئياً فحسب، بل هو تعبير عن رؤية اقتصادية وفنية وطنية، تتعامل مع موارد ليبيا باعتبارها أمانة يجب استثمارها بأعلى درجات الكفاءة، لصالح الحاضر والأجيال المقبلة.

مشاركة الخبر