Skip to main content
خاص.. القماطي: رفع الدولار الجمركي سيزيد الضغوط المعيشية ويُحمّل المواطن كلفة الاختلالات الاقتصادية
|

خاص.. القماطي: رفع الدولار الجمركي سيزيد الضغوط المعيشية ويُحمّل المواطن كلفة الاختلالات الاقتصادية

قال رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي “حلمي القماطي” حصريًا لصحيفة صدى الاقتصادية، إن رفع سعر الدولار الجمركي من 2.2 دينار إلى نحو 6 دنانير لا يُعد مجرد تعديل فني، بل هو في جوهره إعادة فرض ضريبة غير مباشرة على الواردات.

وأوضح القماطي أن هذا القرار يحمل آثارًا اقتصادية متباينة، إلا أن كلفته على المواطن والقطاع الخاص في الحالة الليبية، ومع استمرار الانقسام السياسي والاعتماد شبه الكامل على الاستيراد، ستكون أعلى من منافعه قصيرة الأجل.

وأشار إلى أن وزارة المالية ألغت العمل بسعر الدولار الجمركي الثابت، وأصبحت الرسوم الجمركية تُحتسب وفق سعر الصرف الرسمي المعتمد من مصرف ليبيا المركزي، والذي يدور حاليًا حول 6.3 دينار للدولار.

وبيّن أن سلعة مستوردة بقيمة 100 دولار، وتخضع لرسوم جمركية بنسبة 20%، كانت تُحتسب سابقًا على أساس سعر 2.2 دينار للدولار، بينما تُحتسب حاليًا على أساس نحو 6.3 دينار للدولار، ما يعني أن الوعاء الجمركي ارتفع بنحو 186%.

وأضاف أن ذلك لا يعني بالضرورة ارتفاع سعر السلعة بالنسبة نفسها، لأن الرسوم الجمركية تمثل جزءًا فقط من التكلفة النهائية إلى جانب سعر الاستيراد والنقل والتخزين وهامش الربح، إلا أنه من المتوقع ارتفاع أسعار السلع المستوردة بدرجات متفاوتة، خصوصًا السيارات وقطع الغيار والأجهزة الكهربائية والإلكترونية ومواد البناء والسلع الاستهلاكية التي تخضع لرسوم جمركية مرتفعة.

وأكد أن السلع الأساسية المعفاة جمركيًا يُفترض نظريًا أن يكون تأثير القرار عليها محدودًا، لكنها قد تتأثر عمليًا نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والتوزيع وضعف الرقابة على الأسواق.

وأوضح القماطي أنه، وفقًا للنظرية الاقتصادية، تسعى الحكومة من خلال هذا القرار إلى توحيد أسعار الصرف وتقليل التشوهات، ورفع الإيرادات غير النفطية، وتحسين كفاءة النظام الضريبي، وتقليل فرص الفساد والتحايل الجمركي الناتج عن الفجوة بين سعر الدولار الرسمي والدولار الجمركي.

وأضاف أن هذه الأهداف تبدو منطقية من الناحية النظرية، إلا أن المشكلة في ليبيا ليست في النظرية، بل في البيئة الاقتصادية التي تُطبق فيها، مشيرًا إلى أن نجاح أي إصلاح مالي، وفقًا لنظرية الاقتصاد المؤسسي الجديدة، يعتمد على جودة المؤسسات.

ولفت إلى أن ليبيا تعاني حاليًا من انقسام سياسي ومؤسسي، وازدواجية في الإنفاق العام، وضعف الرقابة على الأسواق، فضلًا عن كونها اقتصادًا ريعيًا يعتمد على النفط، فيما يتجاوز اعتمادها على الواردات 85% لتغطية الاستهلاك المحلي.

ورأى أن رفع الدولار الجمركي في مثل هذه الظروف يتحول من أداة إصلاحية إلى عامل تضخمي إضافي.

وأوضح أن نظرية انتقال سعر الصرف إلى الأسعار (Exchange Rate Pass-Through) تشير إلى أن أي زيادة في تكلفة الاستيراد تنتقل تدريجيًا إلى المستهلك النهائي، وفي الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد مثل ليبيا يكون هذا الانتقال مرتفعًا وسريعًا.

وتوقع أن يؤدي القرار إلى ارتفاع معدل التضخم، وتآكل القوة الشرائية للأسر، وزيادة الضغوط على الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل، واتساع الفجوة بين الأجور والأسعار.

وفيما يتعلق بإيرادات الدولة، أكد القماطي أن القرار سيرفع الإيرادات على المدى القصير، إذ تزداد الرسوم المحصلة بارتفاع القيمة الجمركية، لكنه أشار إلى أن الزيادة المفرطة في الأعباء الجمركية، وفقًا لمنحنى لافر، قد تؤدي لاحقًا إلى انخفاض حجم الواردات الرسمية، وزيادة التهريب، والتوسع في التجارة غير النظامية، وارتفاع معدلات التهرب الجمركي، ما قد ينعكس سلبًا على الإيرادات الفعلية في المدى المتوسط.

واختتم القماطي بالقول إن رفع الدولار الجمركي في الظروف الحالية يشبه معالجة عجز المالية العامة عبر جيب المستهلك، موضحًا أن القرار قد يحقق إيرادات إضافية للخزانة العامة، لكنه لن يعالج جذور الأزمة الاقتصادية المتمثلة في التوسع غير المنضبط في الإنفاق العام، وغياب التنسيق بين السياسة المالية والنقدية، وضعف الإنتاج المحلي، والانقسام المؤسسي.

وأكد أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ برفع تكلفة الاستيراد، بل بضبط الإنفاق، وتوحيد المؤسسات، وتحفيز الإنتاج، وتحسين كفاءة الإدارة العامة، مشددًا على أن المشكلة في ليبيا ليست نقص الإيرادات، بل ضعف إدارة الموارد، وأن أي سياسة مالية تُطبق في ظل انقسام سياسي ومؤسسات غير موحدة ستنقل كلفة الاختلالات من الموازنة العامة إلى المواطن مباشرة.

مشاركة الخبر