Skip to main content
"الشلوي": مصفاة رأس لانوف بين خيار التصدير الخام والتكرير المحلي
|

“الشلوي”: مصفاة رأس لانوف بين خيار التصدير الخام والتكرير المحلي

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً قراءة اقتصادية نفطية موضوعية لصنّاع القرار في ليبيا

تشهد ليبيا في المرحلة الراهنة عودة أحد أهم الأصول النفطية الاستراتيجية إلى دائرة العمل الوطني الكامل، والمتمثلة في مصفاة ومجمع رأس لانوف الصناعي، بعد سنوات طويلة من التوقف والتحديات الفنية والأمنية والتشغيلية، ومع الإعلان عن عودة المصفاة إلى حضن المؤسسة الوطنية للنفط والإدارة السيادية الكاملة، عاد إلى الواجهة سؤال اقتصادي وفني بالغ الأهمية، يتكرر كثيرًا في الأوساط النفطية والاقتصادية وصنع القرار:

هل من الأفضل اقتصاديًا لليبيا تشغيل مصفاة رأس لانوف وتكرير النفط محليًا، أم أن تصدير الخام مباشرة سيكون أكثر جدوى وربحية للدولة؟

الإجابة العلمية على هذا السؤال ليست بسيطة أو أحادية الاتجاه، بل تعتمد على مجموعة معقدة من المتغيرات الفنية والاقتصادية والمالية والاستراتيجية، فضلًا عن طبيعة المصفاة نفسها، وتركيبة المنتجات، ومستقبل أسعار النفط، وسياسات الدعم المحلي، ونمو الطلب الداخلي على الطاقة.

ومن هنا، فإن المقاربة الموضوعية تقتضي دراسة السيناريوهين معًا، بعيدًا عن الانطباعات أو القناعات الشخصية، ومن منظور يخدم المصلحة الوطنية الليبية على المدى القصير والمتوسط والطويل.

أولًا: الخصائص الفنية والاقتصادية لمصفاة رأس لانوف

مصفاة رأس لانوف ليست مجرد وحدة تكرير تقليدية، بل هي جزء من مجمع صناعي متكامل يرتبط بالصناعات البتروكيميائية وإنتاج المشتقات الوسيطة والثقيلة، وقد صُممت تقنيًا لتغذية عدد من الأنشطة الصناعية اللاحقة، وليس فقط لإنتاج الوقود المحلي.

وتبلغ الطاقة التصميمية المستهدفة للتكرير نحو 220 ألف برميل يوميًا، وهي كمية كبيرة نسبيًا قياسًا بحجم السوق المحلي الليبي، كما أن جزءًا مهمًا من مخرجاتها، وخاصة الديزل، سيكون موجهًا إلى مسارين:

  1. السوق المحلي لتغطية الطلب المتزايد على المحروقات.
  2. الصناعات البتروكيميائية والمجمعات الصناعية المرتبطة بالمصفاة.

وهذا يعني أن تقييم جدوى تشغيل المصفاة لا يمكن أن يُبنى فقط على هامش الربح المباشر من بيع الوقود، بل يجب أن يشمل أيضًا القيمة المضافة الصناعية، وتقليل الواردات، وتأمين الإمدادات، والأثر الاقتصادي غير المباشر.

ثانيًا: السيناريو الأول — استمرار توقف المصفاة وتصدير الخام

في هذا السيناريو، يتم تصدير كامل كمية الـ220 ألف برميل يوميًا كنفط خام دون تكرير محلي.

وبحسب بعض التقديرات المبنية على توقعات المؤسسات الدولية، ومنها توقعات Goldman Sachs لأسعار النفط خلال عام 2026، والتي ترجح وصول سعر البرميل إلى حدود 90 دولارًا، فإن التدفقات النقدية النفطية الليبية قد تصل إلى حوالي:

  • 31 مليار دولار كتدفقات نقدية إجمالية (Cash Flow) بعد خصم حصة الشركاء وبعض عمليات التكرير المحلية القائمة.

لكن في ظل توقف مصفاة رأس لانوف، ستضطر الدولة إلى الاستمرار في استيراد كميات كبيرة من المحروقات، وخاصة الديزل، لتغطية الطلب المحلي المتزايد.

وعليه، وبعد خصم فاتورة استيراد الوقود، ينخفض صافي الدخل النفطي إلى حوالي:

  • 23 مليار دولار خلال 2026
  • أي ما يعادل تقريبًا 151 مليار دينار ليبي وفق سعر الصرف المستخدم في التقديرات.

غير أن الصورة المستقبلية تبدو أكثر حساسية عند النظر إلى عام 2030، حيث تشير بعض التقديرات الاقتصادية الدولية، ومنها توقعات Oxford Economics، إلى احتمال انخفاض أسعار النفط عالميًا نتيجة التحول التدريجي في أسواق الطاقة وزيادة الضغوط على الوقود الأحفوري.

وفي هذه الحالة قد ينخفض:

  • التدفق النقدي إلى حوالي 25 مليار دولار
  • وصافي الدخل إلى نحو 19 مليار دولار
  • بما يعادل قرابة 93 مليار دينار ليبي فقط.

وهنا تظهر نقطة محورية شديدة الأهمية:
الاعتماد الكامل على تصدير الخام يجعل الاقتصاد الليبي أكثر عرضة لتقلبات السوق العالمية وأسعار النفط، دون وجود قيمة مضافة صناعية محلية حقيقية.

ثالثًا: السيناريو الثاني — تشغيل مصفاة رأس لانوف

في هذا السيناريو، يتم سحب 220 ألف برميل يوميًا من الطاقة التصديرية الخام، وتوجيهها إلى عمليات التكرير داخل ليبيا.

ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك نظريًا إلى انخفاض حجم الصادرات الخام، لكن بالمقابل ستنتج المصفاة:

  • الديزل
  • الكيروسين
  • غاز البترول المسال
  • بعض المنتجات الثقيلة
  • ومدخلات للصناعات البتروكيميائية

جزء من هذه المنتجات سيغطي السوق المحلي، بينما يمكن تصدير جزء آخر أو استخدامه في صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة أعلى.

ووفق بعض التقديرات الاقتصادية، فإن العائد المتوقع في هذا السيناريو قد يصل خلال عام 2026 إلى حوالي:

  • 152 مليار دينار ليبي

وهو رقم قريب من سيناريو التصدير الخام، ما يعني أن الفارق النقدي المباشر ليس حاسمًا في المدى القصير.

لكن بحلول عام 2030، ومع تغيرات السوق النفطية العالمية، قد ينخفض العائد إلى نحو:

  • 82 مليار دينار ليبي

وهنا تبدأ التحديات الحقيقية في الظهور، لأن تشغيل المصفاة بحد ذاته لا يضمن تلقائيًا تحقيق أعلى عائد اقتصادي، خاصة إذا استمرت سياسات الدعم الحالية واستهلاك الطاقة غير المنضبط.

رابعًا: العامل الحاسم — سياسة الدعم واستهلاك الطاقة

أحد أهم التحديات الاقتصادية في ليبيا لا يتعلق فقط بالإنتاج أو التكرير، بل بنمط الاستهلاك المحلي للطاقة.

فليبيا تُعد من الدول ذات الكثافة العالية جدًا في استهلاك المحروقات مقارنة بحجم الاقتصاد وعدد السكان، ويرجع ذلك إلى:

  • الدعم الواسع للمحروقات
  • انخفاض الأسعار المحلية بشكل كبير
  • التهريب
  • ضعف كفاءة الاستهلاك
  • غياب سياسات ترشيد الطاقة

وتشير العديد من الدراسات الاقتصادية إلى وجود علاقة قوية بين النمو الاقتصادي واستهلاك الطاقة، تصل في بعض التقديرات إلى نحو 64%، ما يعني أن أي نمو اقتصادي غير منضبط قد يقود إلى تضخم كبير في الطلب المحلي على الوقود.

وهنا تبرز إشكالية خطيرة:

كلما توسع الاستهلاك المحلي المدعوم، زادت كميات النفط التي تُسحب من التصدير لصالح السوق الداخلي، وبالتالي ينخفض الدخل النقدي للدولة.

خامسًا: هل التكرير أفضل أم التصدير الخام؟

علميًا واقتصاديًا، لا يمكن القول بشكل مطلق إن أحد الخيارين أفضل دائمًا من الآخر.

فالنتيجة تعتمد على مجموعة من الشروط المصاحبة.

يكون تشغيل المصفاة أكثر جدوى عندما:

  • يتم تقليل فاتورة استيراد الوقود.
  • تُربط المصفاة بصناعات بتروكيميائية ذات قيمة مضافة.
  • تتحسن كفاءة التشغيل الفنية.
  • يتم إصلاح سياسات الدعم تدريجيًا.
  • تُرفع الطاقة الإنتاجية الإجمالية للنفط الليبي.
  • تُدار المصفاة بمعايير تجارية واقتصادية عالية.

بينما يصبح تصدير الخام أكثر ربحية عندما:

  • تكون أسعار النفط مرتفعة جدًا.
  • تكون هوامش التكرير العالمية ضعيفة.
  • ترتفع تكاليف التشغيل والصيانة محليًا.
  • تكون كفاءة المصفاة منخفضة.
  • يستمر الاستهلاك المحلي المدعوم بالنمو دون ضوابط ..

سادسًا: البعد الاستراتيجي الوطني

بعيدًا عن الحسابات المالية المباشرة، هناك بعد استراتيجي لا يمكن تجاهله.

فامتلاك ليبيا لقدرات تكرير وصناعات تحويلية محلية يمثل عنصرًا مهمًا في:

  • الأمن الطاقوي الوطني
  • تقليل الاعتماد على الاستيراد
  • خلق فرص عمل صناعية
  • دعم التنمية الإقليمية
  • توطين الصناعات النفطية
  • بناء سلاسل قيمة محلية

لكن في المقابل، فإن نجاح هذا المسار يتطلب إدارة اقتصادية دقيقة، لأن التكرير المحلي دون إصلاحات اقتصادية موازية قد يتحول إلى عبء مالي بدل أن يكون مصدر قيمة مضافة.

الخلاصة

الحقيقة الاقتصادية والفنية بشأن مصفاة رأس لانوف ليست أبيض أو أسود، بل تقع في منطقة وسطى معقدة تتداخل فيها اعتبارات السوق والطاقة والسياسات العامة.

تشغيل المصفاة قد يمنح ليبيا قيمة صناعية واستراتيجية كبيرة، لكنه ليس ضمانة تلقائية لتعظيم الإيرادات النقدية، خاصة في ظل الدعم المرتفع والنمو المتسارع لاستهلاك الطاقة.

وفي المقابل، فإن الاعتماد الكامل على تصدير الخام قد يوفر تدفقات نقدية أعلى في بعض الفترات، لكنه يبقي الاقتصاد الليبي رهينة لتقلبات الأسواق النفطية العالمية دون تنويع حقيقي للقيمة المضافة.

وعليه، فإن الخيار الأكثر توازنًا ربما لا يكمن في المفاضلة بين التصدير أو التكرير، بل في الجمع الذكي بينهما عبر:

  • رفع الإنتاج النفطي الإجمالي،
  • وتحسين كفاءة التكرير،
  • وربط الصناعات البتروكيميائية،
  • وإصلاح سياسات الدعم تدريجيًا،
  • والتحكم في نمو الاستهلاك المحلي للطاقة.

ففي النهاية، القضية ليست فقط كم ننتج من النفط، بل كيف ندير كل برميل بما يخدم مستقبل ليبيا الاقتصادي واستقرارها الوطني على المدى الطويل.

مشاركة الخبر