Skip to main content
الشلوي: الركائز الاستراتيجية للمؤسسة الوطنية للنفط: بين طموح المليونين برميل يومياً ومتطلبات الإصلاح الاقتصادي
|

الشلوي: الركائز الاستراتيجية للمؤسسة الوطنية للنفط: بين طموح المليونين برميل يومياً ومتطلبات الإصلاح الاقتصادي

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

في صناعة النفط، لا تُقاس قيمة المؤسسات بحجم الإنتاج الحالي فقط، بل بقدرتها على بناء رؤية استراتيجية متكاملة تضمن استدامة الإنتاج وتعظيم العائد الاقتصادي وحماية الأصول الوطنية للأجيال القادمة، ومن هذا المنطلق، تمثل الركائز الاستراتيجية السبع التي أعلنتها المؤسسة الوطنية للنفط خارطة طريق متكاملة تقود قطاع النفط والغاز الليبي نحو مرحلة جديدة من النمو والاستقرار حتى عام 2030.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية استثنائية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن قطاع النفط والغاز لا يزال يشكل العمود الفقري للاقتصاد الليبي، إذ يوفر ما يزيد على 90% من الإيرادات العامة للدولة وأكثر من 95% من حصيلة النقد الأجنبي، الأمر الذي يجعل أي تطوير لهذا القطاع ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني ومستوى معيشة المواطن.

أولاً: هدف المليونين برميل يومياً… أكثر من مجرد رقم

رفع القدرة الإنتاجية إلى مليوني برميل يومياً من النفط وأكثر من 4 مليارات قدم مكعب يومياً من الغاز يمثل هدفاً وطنياً واقتصادياً قبل أن يكون هدفاً نفطياً.

ففي حال تحقق هذا الهدف، ومع افتراض متوسط سعر نفط يتراوح بين 70 و80 دولاراً للبرميل، فإن ليبيا ستكون قادرة على تحقيق إيرادات إضافية بمليارات الدولارات سنوياً مقارنة بمستويات الإنتاج الحالية.

لكن الوصول إلى هذا الهدف لا يتوقف فقط على زيادة الإنتاج من الحقول القائمة، بل يتطلب:

  • استثمارات رأسمالية ضخمة.
  • استقراراً تشريعياً ومؤسسياً.
  • تطوير البنية التحتية.
  • تسوية الالتزامات المالية المتراكمة.
  • استقطاب الشركات العالمية للتنقيب والاستكشاف.

ولهذا فإن تحقيق هدف المليونين برميل يومياً يجب النظر إليه باعتباره مشروع دولة وليس مشروع مؤسسة فقط.

ثانياً: تعويض الاحتياطيات… ضمان استدامة الثروة الوطنية

من المبادئ الأساسية في صناعة النفط أن الدولة التي لا تستكشف احتياطيات جديدة هي دولة تستهلك مخزونها الاستراتيجي تدريجياً.

ورغم امتلاك ليبيا احتياطيات مؤكدة تتجاوز 48 مليار برميل من النفط وحوالي 53 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، فإن المحافظة على هذه المكانة تتطلب مواصلة برامج الاستكشاف بشكل مستمر.

ولعل استئناف جولات العطاءات والاستكشاف بعد سنوات من التوقف يعد من أهم الخطوات الاستراتيجية للحفاظ على مكانة ليبيا النفطية عالمياً.

فالهدف ليس فقط إنتاج النفط اليوم، بل ضمان وجود نفط وغاز للأجيال القادمة.

ثالثاً: تطوير البنية التحتية… الحلقة الأكثر حساسية

خلال العقود الماضية تعرضت أجزاء واسعة من البنية التحتية النفطية إلى الاستهلاك الطبيعي وتأجيل أعمال التطوير والصيانة.

وتشمل هذه البنية:

  • خطوط الأنابيب.
  • الخزانات.
  • الموانئ النفطية.
  • مرافق الغاز.
  • شبكات الكهرباء الصناعية.
  • أنظمة التحكم والمراقبة.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن كل دولار يُستثمر في الصيانة والتطوير يساهم في حماية عدة دولارات من الإيرادات المستقبلية التي قد تضيع نتيجة الأعطال أو التوقفات الطارئة.

ولهذا فإن تطوير البنية التحتية ليس بنداً إنفاقياً بل استثمار مباشر في استدامة الإيرادات الوطنية.

رابعاً: موثوقية الإمداد… أساس الثقة العالمية

أسواق الطاقة العالمية لا تبحث فقط عن المنتج، بل عن المورد الموثوق.

وعندما تستطيع ليبيا المحافظة على استقرار صادراتها النفطية والغازية فإنها تعزز موقعها كمصدر يعتمد عليه في الأسواق الأوروبية والعالمية.

ومن المعروف أن الأسواق تمنح علاوات سعرية وثقة أكبر للدول القادرة على الالتزام بعقودها التصديرية بصورة مستقرة ومنتظمة.

لذلك فإن تعزيز موثوقية الإمداد لا يقل أهمية عن زيادة الإنتاج نفسه.

خامساً: رفع معدلات التكرير… الانتقال من تصدير الخام إلى تعظيم القيمة

من أهم الركائز الاستراتيجية التي تستحق الإشادة التركيز على رفع معدلات التكرير وتحقيق مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي من المشتقات النفطية.

فليبيا تمتلك ثروة نفطية كبيرة لكنها ما تزال تنفق مبالغ ضخمة سنوياً على استيراد بعض المنتجات النفطية المكررة.

وكل برميل يتم تكريره محلياً يحقق للدولة:

  • قيمة مضافة أعلى.
  • فرص عمل جديدة.
  • تقليل فاتورة الاستيراد.
  • تعزيز الأمن الطاقي الوطني.

ولهذا فإن مشاريع تطوير مصافي الزاوية ورأس لانوف ومشروعات التكرير المستقبلية تمثل ركيزة اقتصادية بامتياز وليست مجرد مشاريع صناعية.

سادساً: خفض الحرق… من الهدر إلى الاستثمار

يعد برنامج خفض حرق الغاز أحد أهم التحولات الاستراتيجية التي يشهدها قطاع النفط الليبي حالياً.

فالغاز الذي كان يحرق في المشاعل لعقود يمكن أن يتحول إلى:

  • وقود لمحطات الكهرباء.
  • مادة أولية للصناعات البتروكيميائية.
  • مصدر إضافي للتصدير.
  • أداة لتقليل الانبعاثات الكربونية.

وتنسجم هذه الرؤية مع هدف المؤسسة الوطنية للنفط للوصول إلى “صفر حرق روتيني للغاز بحلول عام 2030”، وهو هدف يحمل أبعاداً اقتصادية وبيئية واستثمارية في آن واحد.

سابعاً: الكوادر البشرية… رأس المال الحقيقي

مهما بلغت قيمة الاحتياطيات والمنشآت، فإن العنصر الحاسم يبقى الإنسان.

فالقطاع النفطي الليبي يمتلك إرثاً مهنياً كبيراً وخبرات تراكمت على مدى أكثر من ستة عقود.

وتطوير هذه الكفاءات وتأهيل جيل جديد من المهندسين والفنيين والاقتصاديين ومديري المشاريع يمثل الضمان الحقيقي لاستمرار نجاح القطاع مستقبلاً.

فالنفط يمكن اكتشافه، والمنشآت يمكن بناؤها، أما الخبرات الوطنية فتحتاج سنوات طويلة لتكوينها.

التحدي الحقيقي: التمويل

ومن بين الرسائل المهمة التي تضمنها العرض، الإشارة إلى أن تحقيق هدف 1.5 مليون برميل يومياً على المدى القريب يرتبط بعاملين رئيسيين:

  1. تسهيل واعتماد الميزانيات التشغيلية والرأسمالية في الوقت المناسب.
  2. معالجة وتسوية الالتزامات والديون المتراكمة على القطاع.

وهنا تبرز قضية جوهرية كثيراً ما تحدثنا عنها خلال السنوات الماضية، وهي أن قطاع النفط ليس مجرد جهة إنفاق حكومي، بل هو القطاع المنتج للإيرادات الذي تمول منه الدولة الليبية بأكملها.

ومن ثم فإن تمكين المؤسسة الوطنية للنفط وشركاتها من تنفيذ برامجها الاستثمارية وفق آليات حوكمة ورقابة وشفافية واضحة يجب أن يُنظر إليه باعتباره استثماراً في الاقتصاد الوطني وليس عبئاً على المالية العامة.

الخلاصة

إن الركائز الاستراتيجية السبع للمؤسسة الوطنية للنفط لا تمثل أهدافاً منفصلة، بل منظومة متكاملة يرتبط نجاح كل ركيزة فيها بنجاح الأخرى.

فزيادة الإنتاج تحتاج إلى استكشافات جديدة، والاستكشاف يحتاج إلى تمويل، والتمويل يحتاج إلى استقرار مؤسسي، والاستقرار يحتاج إلى بنية تحتية موثوقة وكوادر مؤهلة وإدارة رشيدة للموارد.

وإذا نجحت ليبيا في توفير البيئة المناسبة لتنفيذ هذه الرؤية، فإن قطاع النفط والغاز لن يكون فقط مصدراً للإيرادات، بل سيكون المحرك الرئيسي لإعادة بناء الاقتصاد الوطني، وتعزيز الأمن الطاقي، وتحقيق التنمية المستدامة التي يتطلع إليها الليبيون.

فالمعركة الحقيقية ليست الوصول إلى مليوني برميل يومياً فحسب، بل تحويل كل برميل إضافي وكل قدم مكعب من الغاز إلى قيمة اقتصادية مستدامة تنعكس على المواطن والدولة والأجيال القادمة.

مشاركة الخبر