Skip to main content
عندما تتحول تنمية الصادرات إلى استنزاف للاقتصاد
|

عندما تتحول تنمية الصادرات إلى استنزاف للاقتصاد

كتب “خبير اقتصادي”: تسعى الدول عادة إلى تشجيع الصادرات لأنها تمثل أحد أهم مصادر تدفق النقد الأجنبي وتحسين ميزان المدفوعات وتعزيز الاحتياطيات الدولية ، ولذلك تُنشأ هيئات تنمية الصادرات وتُخصص لها الموارد والحوافز بهدف زيادة قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية ورفع الدخل الوطني.

لكن نجاح أي سياسة لتشجيع الصادرات لا يقاس بحجم السلع التي تغادر الحدود، بل بحجم القيمة الاقتصادية التي تعود إلى الدولة والمجتمع نتيجة تلك الصادرات.

فالتصدير في جوهره عملية اقتصادية متكاملة تقوم على خروج سلعة من الاقتصاد مقابل دخول مورد من النقد الأجنبي. أما إذا خرجت السلعة ولم تعد حصيلتها المالية إلى الاقتصاد الوطني، فإن أحد أهم أهداف التصدير يكون قد فُقد.

وفي الحالة الليبية تبرز إشكالية تستحق المراجعة والتقييم، تتمثل في استمرار دعم وتشجيع الصادرات في ظل غياب آليات فعالة تضمن عودة حصائلها من العملات الأجنبية عبر القنوات المصرفية المعتمدة.

فالسلع التي تغادر السوق المحلية دون عودة مقابلها النقدي إلى النظام المصرفي الليبي تؤدي عملياً إلى خفض المعروض المحلي من السلع، بينما لا تضيف مورداً جديداً من النقد الأجنبي إلى ميزان المدفوعات أو الاحتياطيات الدولية.

وتنعكس هذه الحالة بصورة مباشرة على حياة المواطنين، إذ يؤدي انخفاض المعروض المحلي إلى زيادة الضغوط السعرية وارتفاع تكاليف المعيشة، في الوقت الذي لا يتحقق فيه العائد المتوقع من النقد الأجنبي الذي كان من المفترض أن يدعم استقرار سعر الصرف والقوة الشرائية للدينار.

وتزداد المفارقة الاقتصادية خطورة عندما يتم تمويل أنشطة دعم الصادرات من رسوم وأعباء تُفرض على عمليات الاستيراد.

فالاستيراد، رغم ما يسببه من طلب على النقد الأجنبي، يضيف سلعاً وخدمات إلى السوق المحلية ويساهم في تلبية احتياجات المواطنين والقطاع الخاص. أما حين تُفرض رسوم على هذه العمليات لتمويل برامج تشجع خروج السلع من الاقتصاد دون ضمان عودة حصيلتها النقدية، فإن المجتمع يتحمل التكلفة مرتين.

المرة الأولى من خلال ارتفاع تكلفة الاستيراد وما ينعكس عنه من زيادة في الأسعار.

والمرة الثانية من خلال خروج جزء من السلع المحلية إلى الخارج دون أن يقابل ذلك تدفق فعلي للعملات الأجنبية إلى الاقتصاد الوطني.

ومن هنا يصبح من الضروري إعادة تعريف مفهوم نجاح سياسات تنمية الصادرات في ليبيا.

فالمعيار الحقيقي ليس قيمة الصادرات المسجلة في البيانات الإحصائية، ولا عدد الشحنات التي تعبر المنافذ الحدودية، وإنما مقدار النقد الأجنبي الذي عاد فعلياً إلى الاقتصاد الليبي نتيجة تلك الصادرات، ومدى مساهمة ذلك في دعم الاحتياطيات الأجنبية وتحسين ميزان المدفوعات واستقرار سعر الصرف.

ويبقى السؤال الاقتصادي الأهم:

هل أسهمت سياسات وبرامج تنمية الصادرات في زيادة موارد ليبيا من العملات الأجنبية وتعزيز ميزان مدفوعاتها، أم أنها اقتصرت على دعم خروج السلع من الاقتصاد الوطني دون ضمان عودة حصيلتها المالية؟

فإذا كانت الصادرات تغادر السوق المحلية بينما تبقى حصيلتها خارج النظام المصرفي الليبي، فإن ذلك يعني عملياً استنزافاً للمعروض السلعي المحلي، وضغطاً إضافياً على احتياطيات مصرف ليبيا المركزي، وتراجعاً في القوة الشرائية للمواطن.

وعندها يصبح تقييم هذه السياسات واجباً اقتصادياً ووطنياً، ليس من منظور حجم الصادرات فقط، بل من منظور أثرها الحقيقي على الاقتصاد الليبي ومستوى معيشة المواطنين.

مشاركة الخبر