
| أخبار
“الحاراتي” يكتب: تصريح وزير المالية بشأن تعذر زيادة قيمة المعاش الأساسي لذوي الإعاقة لا يصمد أمام أحكام القانون
كتب المستشار القانوني “هشام الحاراتي”، مقالاً قال فيه: تصريح وزير المالية بشأن تعذر زيادة قيمة المعاش الأساسي لذوي الإعاقة لا يصمد أمام أحكام القانون، إن ما ورد على لسان وزير المالية من تبرير لتعذر زيادة قيمة المعاش الأساسي استنادا إلى ما يسمى بالاتفاق التنموي الموحد لا يقوم على أساس قانوني صحيح، لأن هذا الاتفاق ليس قانونا ولا يعدل قانونا ولا يوقف نفاذ قانون، وإنما هو مجرد تفاهمات أو ترتيبات ذات طبيعة سياسية أو إدارية بين جهات تنفيذية، وهي بطبيعتها لا ترقى إلى مرتبة التشريع ولا تملك إلغاء أو تعطيل أو تقييد نصوص قانونية نافذة.
ومن المبادئ المستقرة في النظام القانوني الليبي أن التشريع يسمو على القرارات الإدارية والاتفاقات التنفيذية، وأنه لا يجوز لأي سلطة تنفيذية أن تمتنع عن تطبيق قانون نافذ بحجة وجود تفاهمات أو اتفاقات لاحقة، لأن التدرج التشريعي من النظام العام، ولا يجوز مخالفته أو الالتفاف عليه تحت أي مبرر.
والثابت قانونا أن القانون المعدل للحد الأدنى للأجور، والذي رفع الحد الأدنى إلى ألف دينار، دخل حيز النفاذ قبل ما يسمى بالاتفاق التنموي الموحد، ومن ثم فإن جميع الآثار القانونية المترتبة عليه أصبحت واجبة الاحترام والتنفيذ، ولا يجوز قانونا تعطيلها أو الانتقاص منها بأي اتفاق لاحق لا يملك قوة القانون.
كما أن من المسلمات القانونية التي لا تقبل الجدل أن قيمة المعاش الأساسي ليست رقما جامدا، وإنما ترتبط قانونا بمربوط الدرجة الوظيفية الأولى، وتدور معه وجودا وعدما، ارتفاعا وانخفاضا. فإذا ارتفع مربوط الدرجة الأولى بحكم القانون ارتفع معه المعاش الأساسي بقوة القانون، وليس بناء على منحة أو تفضل أو قرار إداري، لأن العلاقة بينهما علاقة قانونية مباشرة رتبها المشرع ولا تملك السلطة التنفيذية تعطيل اثارها.
وعليه فإن الادعاء بعدم إمكانية زيادة قيمة المعاش الأساسي لا يعد سوى تفسير يخالف صحيح القانون، لأنه يصادم مبدأ المشروعية، ويتعارض مع التدرج التشريعي، وينتقص من حقوق مالية قررها المشرع صراحة، وهو أمر لا يدخل في السلطة التقديرية لأي وزير أو جهة تنفيذية، إذ إن اختصاصها ينحصر في تنفيذ القانون لا في إعادة تفسيره بما يؤدي إلى تعطيل اثاره.
إن الحقوق المالية المقررة بقوانين نافذة ليست محلا للمساومة السياسية، ولا يجوز تعليق تنفيذها على تفاهمات إدارية أو اتفاقات تنفيذية، لأن الدولة القانونية تقوم على احترام التشريع، لا على تفضيل الاتفاقات على النصوص القانونية، ومن المؤسف أن تصدر مثل هذه التصريحات في مواجهة فئة كفل لها القانون حماية خاصة، وأوجب على الدولة تعزيز حقوقها لا الانتقاص منها أو البحث عن مبررات للالتفاف عليها.
فحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ليست منحة من أحد، وإنما هي حقوق قانونية واجبة الاحترام والتنفيذ، وإذا كان من صاغ هذا التبرير يجهل المبادئ القانونية الحاكمة للعلاقة بين التشريع والقرارات الإدارية، فتلك مسألة تستوجب مراجعة الأساس القانوني الذي تبنى عليه التصريحات الرسمية، أما إذا كان يعلم هذه المبادئ ويتجاهلها، فإن الأمر يصبح استخفافا بعقول المواطنين وبحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وهو أمر لا ينسجم مع مقتضيات دولة القانون.
وليكن واضحا أن الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا فئة تفتقر إلى الوعي القانوني أو القدرة على الدفاع عن حقوقها، بل بينهم أساتذة جامعات ومحامون ومستشارون قانونيون ومهندسون وخبراء وإداريون وأصحاب كفاءات عالية، وهم يدركون تماما الفارق بين القانون والتفاهمات السياسية، ويعلمون أن الاتفاقات التنفيذية لا تنشئ قاعدة قانونية ولا تلغي قاعدة تشريعية نافذة.
إن احترام القانون لا يكون بالتصريحات الإعلامية، وإنما بالامتثال لأحكامه.
والحقوق التي قررها المشرع لا يجوز تعطيلها باجتهاد إداري، ولا تقييدها بتفاهم سياسي، ولا الانتقاص منها بتفسير يخالف صحيح القانون. وسيظل القانون هو المرجعية العليا، وستظل الحقوق المقررة بموجبه واجبة النفاذ إلى أن يعدلها المشرع ذاته، لا أي جهة تنفيذية مهما علت مكانتها.



