Skip to main content
الشلوي: القوة القاهرة في قطاع النفط.. ماذا تعني قانونياً وفنياً واقتصادياً عندما تصبح سلامة المنشآت والعاملين مهددة؟
|

الشلوي: القوة القاهرة في قطاع النفط.. ماذا تعني قانونياً وفنياً واقتصادياً عندما تصبح سلامة المنشآت والعاملين مهددة؟

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

أثار تحذير مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط من احتمال إعلان حالة القوة القاهرة (Force Majeure) ووقف العمل كلياً بمصفاة الزاوية، في حال استمرار الاعتداءات المتكررة على المنشآت النفطية بالمنطقة، تساؤلات مشروعة لدى الرأي العام حول معنى هذا المصطلح، وما الذي يترتب عليه فعلياً، وهل يعني مجرد إيقاف الإنتاج أو التكرير، أم أن له أبعاداً قانونية وتعاقدية وفنية وأمنية واقتصادية أوسع من ذلك؟

والحقيقة أن فهم «القوة القاهرة» يحتاج إلى الفصل بين معناها القانوني وبين آثارها التشغيلية. فهي ليست مجرد عبارة إعلامية تستخدم عند وقوع اضطراب أمني، وإنما آلية قانونية وتعاقدية معروفة في صناعة النفط الدولية، تلجأ إليها الأطراف عندما يقع ظرف استثنائي خارج عن إرادتها يجعل تنفيذ الالتزامات التعاقدية مستحيلاً، أو يحول دون استمرار العمليات على نحو آمن وطبيعي.

وفي الحالة الليبية، فإن للمفهوم أساساً قانونياً واضحاً؛ فقانون البترول الليبي رقم 25 لسنة 1955 تناول القوة القاهرة صراحة، ونص في مادته العشرين على أن حقوق والتزامات أطراف التعاقد في حالات القوة القاهرة تُنظم وفق الأحكام الواردة في الإطار التعاقدي الملحق بالقانون.

ليست إلغاءً للعقود.. وإنما حماية للالتزامات

من الناحية القانونية، إعلان القوة القاهرة لا يعني إلغاء العقود النفطية، ولا إسقاط الالتزامات بصورة نهائية، ولا إعفاء أي طرف من مسؤولياته إلى الأبد.

المعنى الأدق هو أن هناك حدثاً استثنائياً خارجاً عن السيطرة المعقولة للطرف المعني حال مؤقتاً دون تنفيذ التزاماته، ومن ثم يجري تعليق الالتزامات المتأثرة بهذا الحدث، وفقاً للعقد والقانون، إلى أن تزول الأسباب التي حالت دون تنفيذها.

وهذه نقطة مهمة للرأي العام؛ لأن المؤسسة الوطنية للنفط عندما تعلن القوة القاهرة في حقل أو ميناء أو منشأة معينة، فإنها في الجانب التعاقدي تقول لشركائها والمتعاملين معها: هناك ظرف خارج عن سيطرتنا يمنعنا من الوفاء الطبيعي ببعض التزاماتنا، ولذلك يجب التعامل مع عدم التنفيذ وفق أحكام القوة القاهرة الواردة في العقود.

وقد سبق للمؤسسة استخدام هذه الآلية في حالات توقف الإنتاج قسراً. ففي أبريل 2022، على سبيل المثال، أعلنت القوة القاهرة في حقل الفيل بعد منع العاملين من مواصلة الإنتاج، وقالت صراحة إن توقف الإنتاج جعل تنفيذ التزاماتها التعاقدية غير ممكن.

كما أعلنتها في حقل الشرارة عام 2024 عندما حالت الظروف القائمة دون عمليات إنتاج وتحميل الخام، ثم ترفع المؤسسة القوة القاهرة عندما تزول الأسباب التي أدت إليها وتصبح العودة إلى التشغيل ممكنة.

لماذا يختلف الأمر في الزاوية هذه المرة؟

ما يجري في الزاوية يستحق قراءة أكثر دقة، لأن المسألة لم تعد مرتبطة باعتصام أو إغلاق طريق أو إيقاف صمام إنتاج فحسب.

وفق بيان المؤسسة والتقارير المنشورة، تعرضت أصول نفطية بالمنطقة لسلسلة من الهجمات بالطائرات المسيّرة، وأصاب أحدها خزاناً لتخزين بنزين السيارات يحتوي على نحو 4.5 مليون لتر، ما تسبب في حريق كبير، كما تعرضت منشآت أخرى للاستهداف. وأعلنت المؤسسة حالة الطوارئ القصوى وحذرت من أن استمرار الاعتداءات قد يدفعها إلى إعلان القوة القاهرة وإيقاف المصفاة بالكامل.

وهنا تتغير طبيعة المخاطر جذرياً.

فالمنشأة النفطية ليست مبنى يمكن إخلاؤه وإغلاق أبوابه ببساطة. المصفاة منظومة صناعية مترابطة تحتوي على وحدات معالجة وخزانات وأنابيب ومضخات ومنظومات كهرباء وتحكم وإطفاء، وتتعامل بصورة مستمرة مع مواد هيدروكربونية شديدة الاشتعال.

ولهذا فإن إصابة خزان واحد لا ينبغي النظر إليها فقط من زاوية قيمة المنتج الموجود داخله، بل من زاوية احتمال انتقال الحادث إلى منشآت مجاورة ووقوع تأثير متسلسل أو ما يعرف في هندسة السلامة بالـ Domino Effect.

ومن هنا تصبح الأولوية المهنية واضحة: سلامة الإنسان أولاً، ثم سلامة المنشأة، ثم استمرار الإنتاج.

فنياً.. إيقاف المصفاة قد يكون قرار حماية وليس قرار إنتاج

هناك تصور لدى البعض بأن استمرار الإنتاج أو التكرير في جميع الظروف دليل قوة، وأن إيقاف المنشأة يمثل خسارة أو تراجعاً.

في الصناعة النفطية، الأمر ليس كذلك دائماً.

إذا أصبحت احتمالات الإصابة المباشرة للمعدات أو العاملين مرتفعة، فإن الإيقاف الآمن والمنظم للمنشأة (Safe Shutdown) قد يصبح القرار الفني الصحيح، لأن مواصلة التشغيل في بيئة غير آمنة يمكن أن تحول حادثاً محدوداً إلى كارثة صناعية واسعة.

والقرار في مثل هذه الحالات لا يُبنى فقط على سؤال: هل أصيبت وحدة التكرير نفسها؟

بل على أسئلة أخرى: هل ما زالت منظومات الإطفاء تعمل بكامل كفاءتها؟ هل شبكات الكهرباء والتحكم آمنة؟ هل الخزانات وخطوط النقل معرضة لهجمات جديدة؟ هل يستطيع العاملون وفرق الطوارئ الوصول والعمل بأمان؟ وهل يمكن ضمان عدم امتداد أي حريق محتمل إلى الوحدات الإنتاجية؟

وبالتالي، عدم وجود أضرار كبيرة في لحظة معينة لا يعني بالضرورة أن ظروف التشغيل الآمن متوافرة في الساعات أو الأيام التالية.

أمنياً.. حماية النفط ليست مهمة المؤسسة وحدها

وهنا نصل إلى نقطة أراها شديدة الأهمية.

المؤسسة الوطنية للنفط وشركاتها التابعة مؤسسات فنية وتشغيلية واقتصادية. تستطيع وضع خطط الطوارئ، وتشغيل أنظمة الإنذار والإطفاء، وتأمين المواقع داخلياً وفق اختصاصاتها، وإجراء تقييم المخاطر وإيقاف الوحدات عند الضرورة.

لكنها ليست الجهة التي يفترض بها التصدي العسكري للطائرات المسيّرة أو تحديد مصدر إطلاقها أو ملاحقة المسؤولين عنها.

تلك مسؤولية مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والقضائية المختصة.

ومن ثم فإن تحذير المؤسسة من احتمال إعلان القوة القاهرة يمكن قراءته أيضاً باعتباره إشعاراً مؤسسياً للدولة بأن مستوى المخاطر اقترب من الحد الذي لم يعد معه ممكناً ضمان التشغيل الآمن بالأدوات الفنية وحدها.

وهذا فارق جوهري.

اقتصادياً.. الضرر لا يتوقف عند بوابة المصفاة

مصفاة الزاوية ليست منشأة معزولة عن الاقتصاد الوطني. وتشير التقارير إلى أن طاقتها التكريرية تبلغ نحو 120 ألف برميل يومياً، كما ترتبط بمنظومة نفطية تشمل تدفقات الخام القادمة من حقل الشرارة الذي تبلغ طاقته نحو 300 ألف برميل يومياً.

ولهذا فإن توقف المصفاة فترة طويلة يمكن أن يخلق سلسلة من الآثار تتجاوز حدود الموقع نفسه.

فقد تتأثر عمليات التكرير وإمدادات السوق المحلي، وقد تظهر الحاجة إلى تعويض جزء من المنتجات عبر الاستيراد، كما يمكن أن تتأثر منظومة التخزين والتوزيع واللوجستيات وتدفقات الخام المرتبطة بالمنطقة.

وفي دولة تعتمد بدرجة كبيرة على النفط في تمويل الاقتصاد، فإن الاعتداء على منشأة نفطية لا يمثل خسارة للشركة التي تديرها فقط، وإنما اعتداءً على أصل اقتصادي مملوك للدولة الليبية وعلى مورد يمول الخزانة العامة والخدمات والمرتبات والاحتياجات الأساسية للمواطنين.

وهناك بعد آخر لا يقل أهمية: سمعة ليبيا الاستثمارية

ليبيا تسعى اليوم إلى زيادة الإنتاج وجذب شركات النفط العالمية واستعادة الاستثمارات في الاستكشاف والتطوير ورفع القدرة الإنتاجية.

وفي صناعة النفط، المستثمر لا ينظر فقط إلى حجم الاحتياطيات.

إنه ينظر أيضاً إلى المخاطر السيادية والأمنية والتشغيلية وإمكانية حماية العاملين والمنشآت واستمرارية الإنتاج والعقود.

ولهذا فإن تكرار الاعتداءات على البنية التحتية النفطية يرفع ما يعرف بـ Country Risk، وقد ينعكس على تكلفة التأمين والتمويل والخدمات اللوجستية، وعلى استعداد الشركات لإرسال كوادرها ومعداتها أو ضخ استثمارات جديدة.

ومن المفارقات المهمة أن المؤسسة كانت قد دعت في ديسمبر 2022 الشركات العالمية إلى رفع القوة القاهرة والعودة إلى أعمال الاستكشاف، مؤكدة استعدادها للمساعدة في توفير بيئة عمل آمنة بالتعاون مع السلطات المدنية والعسكرية؛ وقد استجابت شركات دولية لاحقاً ورفعت القوة القاهرة عن بعض مناطقها.

ولهذا فإن حماية الاستقرار الأمني حول المنشآت اليوم ترتبط مباشرة بقدرة ليبيا على المحافظة على الثقة التي تحاول إعادة بنائها مع المستثمرين.

ماذا يعني تحذير المؤسسة تحديداً؟

من المهم هنا أن نكون دقيقين: المؤسسة، وفق بيانها الحالي، لم تعلن القوة القاهرة حتى الآن.

هي قالت إنها قد تضطر إلى إعلانها إذا استمرت الاعتداءات، بالتوازي مع وقف العمل كلياً بالمصفاة. وهذا في تقديري فارق جوهري في تفسير البيان.

فالتحذير يمثل مرحلة تسبق القرار النهائي، ويمكن فهمه باعتباره رسالة على ثلاثة مستويات في آن واحد:

رسالة فنية بأن هامش التشغيل الآمن يتقلص؛ ورسالة قانونية وتعاقدية بأن استمرار الظروف الحالية قد يجعل تنفيذ بعض الالتزامات غير ممكن؛ ورسالة للدولة وأجهزتها المختصة بأن حماية المنشأة أصبحت ضرورة عاجلة قبل الوصول إلى نقطة يكون فيها الإيقاف الكامل الخيار المسؤول الوحيد.

ومن هذه الزاوية، لا ينبغي التعامل مع عبارة «القوة القاهرة» باعتبارها تهديداً من المؤسسة للدولة أو للمواطن، وإنما باعتبارها آلية لحماية الدولة نفسها من تبعات استمرار عمليات لم تعد شروط السلامة اللازمة لها متوافرة.

ومتى تنتهي القوة القاهرة؟

القوة القاهرة بطبيعتها ليست وضعاً دائماً.

عندما تزول الظروف التي أدت إليها، ويصبح الموقع آمناً، وتُجرى الفحوص الفنية اللازمة وتتأكد سلامة المعدات والمنظومات وقدرة العاملين على العودة، يمكن استئناف العمليات ورفع حالة القوة القاهرة وفق الإجراءات التعاقدية والفنية ذات الصلة.

وهذا ما حدث مراراً في القطاع الليبي؛ فالمؤسسة تعلن القوة القاهرة عندما يصبح تنفيذ الالتزامات متعذراً بسبب ظروف خارجة عن إرادتها، ثم ترفعها عندما تزول تلك الظروف.

النفط يجب أن يبقى خارج دائرة الصراع

وهنا ربما تكون الرسالة الأهم التي يحتاج إليها الرأي العام.

قد نختلف في السياسة، وفي إدارة الدولة، وفي تقييم الحكومات والمؤسسات والأشخاص، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع. لكن المنشآت النفطية ينبغي ألا تتحول إلى أدوات للصراع.

فالخزان الذي يحترق لا يميز بين شرق وغرب، وخط الأنابيب الذي يتوقف لا يعرف الانتماءات السياسية، وبرميل النفط الذي لا يُنتج أو المنتج النفطي الذي يُفقد تتحمل تكلفته في النهاية الخزانة العامة والمواطن الليبي.

والمؤسسة الوطنية للنفط أكدت في مناسبات سابقة تمسكها بدورها الفني وحياد القطاع وإبعاده عن النزاعات السياسية.

ومن هنا فإن المطلوب اليوم لا يقتصر على إطفاء الحريق أو إصلاح خزان متضرر، وإنما يتطلب تحقيقاً مهنياً شفافاً، وتحديد مصدر وطبيعة الاعتداءات، وتعزيز الحماية الفعلية للمنشآت، وتطوير قدرات الإنذار المبكر ومواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة، ومراجعة خطط استمرارية الأعمال والطوارئ في المنشآت النفطية الحيوية.

فالنفط الليبي ليس ملكاً لمؤسسة أو حكومة أو منطقة جغرافية بعينها، بل هو ثروة وطنية لكل الليبيين.

وإذا وصلت المؤسسة الوطنية للنفط في أي منشأة إلى قناعة فنية موثقة بأن استمرار التشغيل أصبح يعرض أرواح العاملين والمنشآت والمناطق المحيطة لخطر غير مقبول، فإن الإيقاف الآمن وإعلان القوة القاهرة، ضمن شروطهما القانونية والتعاقدية، لا ينبغي تفسيرهما باعتبارهما تخلياً عن المسؤولية.

بل قد يكونان، في تلك اللحظة تحديداً، ممارسة للمسؤولية ذاتها.

فالغاية النهائية ليست أن يستمر النفط في التدفق بأي ثمن، وإنما أن يستمر بأمان، وبصورة مستدامة، وتحت سيادة الدولة، ولصالح جميع الليبيين.

مشاركة الخبر