Skip to main content
"الفارسي"يكتب: اقتصاد بلا درع ولا سيادة: من الإكوادور إلى زيمبابوي: ماذا علمتنا تجارب “الدولرة” عن مقابر الاقتصادات المنهكة؟
|

“الفارسي”يكتب: اقتصاد بلا درع ولا سيادة: من الإكوادور إلى زيمبابوي: ماذا علمتنا تجارب “الدولرة” عن مقابر الاقتصادات المنهكة؟

كتب عضو لجنة السياسة النقدية بالمركزي “أيوب الفارسي”مقالاً قال فيه: اقتصاد بلا درع ولا سيادة: من الإكوادور إلى زيمبابوي: ماذا علمتنا تجارب “الدولرة” عن مقابر الاقتصادات المنهكة؟

لماذا تعد “الدولرة” انتحارًا اقتصاديًا وتفريطًا في السيادة؟

تُعرف “الدولرة” (Dollarization) بفقدان الثقة بالعملة الوطنية واحتلال الدولار الأجنبي مكانها كوحدة للحساب، ومستودع للقيمة، ووسيط للتبادل.

ولكن، عندما تتجه الدولة إلى “الدولرة” عبر إلغاء عملتها الوطنية واعتماد العملة الأجنبية بديلًا دائمًا، فإن الأمر لا يعود مجرد إجراء مالي مؤقت، بل يتحول إلى تهديد وجودي واستنزاف شامل لاقتصاد الدولة.

وفي السنوات الأخيرة، وبُغية بحث الدول عن مزيد من الاستقلال عن الدولار وابتزاز الولايات المتحدة، ظهرت مبادرات دولية عديدة للبحث عن بدائل، مثل مناقشة البرازيل والأرجنتين لعملة مشتركة، واستكشاف الإمارات والهند التجارة غير النفطية بالروبية، وعمل روسيا وإيران على إطلاق عملة رقمية مدعومة بالذهب.

المخاطر الستة الكبرى للدولرة:

1- مصادرة السيادة النقدية:

يتجرد البنك المركزي تمامًا من سلطته، ويفقد قدرته على ضبط السيولة أو تحديد أسعار الفائدة. والأهم، يفقد دوره كـ”مقرض أخير” لإنقاذ البنوك والمودعين عند الأزمات، لتصبح مقدرات البلد النقدية تحت رحمة قرارات الفيدرالي الأمريكي.

2- الانتحار الاقتصادي للدول الريعية:

في الدول التي تعتمد على النفط (مثل ليبيا)، يشكل انخفاض أسعار النفط أو توقف صادراته #صدمة_قاتلة. فبدون عملة محلية يمكن تعديل سعر صرفها، تُجبر الحكومة على تقشف قاسٍ يمس الرواتب، والدعم، والإنفاق العام، مما يدفع الاقتصاد نحو انكماش حاد وشلل تام.

3- حرمان الخزانة من عوائد الإصدار (Seigniorage):

تحقق الدول أرباحًا صافية من الفارق بين تكلفة طباعة أوراقها النقدية وقيمتها الشرائية. التخلي عن العملة الوطنية يعني نقل هذه الأرباح مجانًا إلى الخزانة الأمريكية، واقتطاع أموال هائلة من الاحتياطي لشراء “الدولار الورقي” من الخارج.

4- ضرب الإنتاج المحلي والقدرة التنافسية:

استخدام عملة صعبة في اقتصاد ضعيف يرفع تكلفة الإنتاج والسلع المحلية مقارنة بدول الجوار، مما يقضي على فرص النهوض بالقطاعات الإنتاجية (كالزراعة والصناعة)، ويجعل الدولة رهينة للاستيراد الخارجي إلى الأبد، ولا مجال لأي نهضة مستقبلية.

5- مخاطر اختفاء السيولة_ك وعجز الموازنة:

أي اختلال في الميزان التجاري أو تراجع في التدفقات الدولارية يؤدي مباشرة إلى جفاف السيولة من البنوك والأسواق، ويضع الدولة أمام عجز هيكلي يمنعها حتى من تسديد رواتب القطاع العام.

6- #تعميق_التفاوت_الطبقي_والفقر:

تُقسم الدولرة المجتمع إلى فئتين: فئة محمية ترتبط دخولها بالعملة الصعبة، وفئة واسعة تعتمد على الدخل المحلي وتتحمل وحدها كلفة التضخم وتآكل المدخرات، مما يوسع الفجوة الاجتماعية بشكل خطير.

دروس من واقع التجارب الدولية:

الإكوادور (2000): أوقفت التضخم، لكنها وقعت في فخ الديون السيادية والتقشف القاسي فور انخفاض أسعار النفط. لتمويل العجز في الموازنة بلا قدرة على التمويل النقدي، توسعت الدولة في الاقتراض الخارجي بأسعار فائدة مرتفعة، مما أوصلها لأزمة ديون سيادية في سنوات لاحقة.

زيمبابوي (2009): هربت من التضخم المفرط، فتسببت في أزمة سيولة كارثية واختفاء النقود من البنوك. أدى عجز الميزان التجاري واستنزاف الدولار للخارج إلى اختفاء السيولة النقدية من الأسواق والبنوك. تبعها الوقوع في فخ الطبع الصوري: حاول البنك المركزي الالتفاف على الأمر بـ”إصدار سندات نقدية محلية” ادعى أنها تعادل الدولار، مما تسبب في أزمة ثقة عارمة وانهيار إضافي للاقتصاد، واضطرت الدولة لاحقًا للعودة للعملة الوطنية وسط اضطرابات معيشية واسعة.

السلفادور (2001): فقدت مرونتها النقدية ومحركات نموها، وعجزت عن مواجهة الركود الاقتصادي وانعدمت قدرتها على مواجهة الأزمات. ففي أزمة 2008 العالمية، عجزت السلفادور عن استخدام أي أداة نقدية لتحفيز اقتصادها، مما جعل الركود أكثر عمقًا وطولًا.

بنما (1904): الحالة الاستثنائية الوحيدة، لأن اقتصادها ونظامها المالي من الأساس مصمم على الدولار وبُني تاريخيًا على الخدمات اللوجستية وتدفقات قناة بنما الدولارية المستمرة، وليس على مورد ريعي متقلب.

خلاصة القول:

إن تفشي “الدولرة” ليس حلًا، بل هو استسلام رسمي للأزمات وتفريغ للاقتصاد الوطني من مقومات استقلاله. وبدلًا من تسليم مفاتيح السيادة المالية للخارج، فإن الحل الحقيقي يكمن في إصلاح الاختلالات الهيكلية، وتوحيد المؤسسات المالية، وإدارة الموارد بحوكمة وشفافية لحماية الاستقرار المالي والمواطن على حد سواء.

لماذا نذهب لسيناريوهات كارثية وكأن الحل أصبح من المستحيل، وهو بحول الله وقدرته أقرب إلينا من أي وقت مضى؟

مشاركة الخبر