Skip to main content
الشلوي: ليبيا تقترب من المليون ونصف برميل يومياً.. بشارة خير للوطن ورسالة ثقة بمستقبل قطاع النفط
|

الشلوي: ليبيا تقترب من المليون ونصف برميل يومياً.. بشارة خير للوطن ورسالة ثقة بمستقبل قطاع النفط

كتب الخبير النفطي “منصف الشلوي” مقالاً

أعلى مستوى إنتاج منذ عام 2013 يؤكد أن التعافي ممكن، وأن الطموح الليبي لا يزال قادراً على تحويل التحديات إلى إنجازات إذا استمرت بيئة الاستقرار والإدارة الرشيدة

في خضم ما يحيط بليبيا من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية، يأتي إعلان المؤسسة الوطنية للنفط تسجيل إجمالي إنتاج بلغ 1,487,723 برميلاً يومياً، منها 1,438,560 برميلاً من النفط الخام وقرابة 49 ألف برميل من المكثفات، ليشكل واحدة من أكثر الرسائل الإيجابية التي تلقاها الاقتصاد الليبي خلال السنوات الأخيرة.

فالرقم لا يمثل مجرد زيادة في الإنتاج، وإنما يحمل دلالات أعمق، أهمها أن قطاع النفط الليبي ما زال يمتلك القدرة على التعافي واستعادة مكانته، وأن الخبرات الوطنية التي حافظت على هذا القطاع طوال سنوات الأزمات ما تزال قادرة على صناعة الفارق متى توفرت لها الظروف المناسبة.

إن الوصول إلى هذا المستوى، وهو الأعلى منذ عام 2013، يعيد إلى الأذهان مرحلة كانت ليبيا تنتج خلالها ما بين 1.48 و1.50 مليون برميل يومياً، قبل أن تتعرض موانئ التصدير الرئيسية للإغلاق في منتصف ذلك العام، وهو الحدث الذي تسبب في تراجع الإنتاج إلى مستويات تراوحت بين 150 و230 ألف برميل يومياً، مع خسائر قدرت آنذاك بما يتراوح بين 7 و10 مليارات دولار، فضلاً عن الأضرار الفنية التي لحقت بالحقول والموانئ والخزانات والبنية التحتية.

ومنذ تلك اللحظة، لم يكن طريق العودة سهلاً.

لقد مرت المؤسسة الوطنية للنفط والشركات التابعة لها بسنوات استثنائية من الصعوبات، شملت الإغلاقات المتكررة، والانقسامات المؤسسية، والتحديات الأمنية، وتقلبات الأسواق العالمية، ونقص التمويل، وتأخر تنفيذ العديد من المشاريع التطويرية. ومع ذلك، استمر العاملون في القطاع النفطي في أداء واجبهم الوطني، محافظين على استمرارية الإنتاج كلما سنحت الظروف، ومثبتين أن النفط الليبي ظل أحد أهم عوامل صمود الاقتصاد الوطني.

ومن الإنصاف القول إن ما تحقق اليوم هو ثمرة جهود تراكمية شاركت فيها المؤسسة الوطنية للنفط، والشركات التابعة، والشركات الشريكة، وكافة العاملين في الحقول والموانئ وخطوط الأنابيب والإدارات الفنية والهندسية والخدمات المساندة. فالنجاحات في قطاع النفط لا تصنعها جهة واحدة، وإنما هي نتيجة عمل جماعي متكامل يمتد من مواقع الإنتاج في الصحراء إلى مرافق التصدير على الساحل.

لكن، وفي الوقت ذاته، ينبغي ألا يدفعنا هذا الإنجاز إلى الاعتقاد بأن الوصول إلى مليون ونصف برميل يومياً أصبح أمراً مضموناً أو دائماً.

فالقطاع النفطي بطبيعته قطاع شديد الحساسية، ويتأثر بعوامل عديدة، منها الاستقرار الأمني، ووحدة القرار المؤسسي، واستمرار عمليات الصيانة، وتوفير الميزانيات اللازمة، وسرعة تنفيذ مشاريع التطوير، وضمان انسيابية سلاسل الإمداد، والمحافظة على جاهزية البنية التحتية، إلى جانب استمرار التعاون مع الشركاء الدوليين، وتوفير البيئة الاستثمارية المناسبة لجذب المزيد من رؤوس الأموال والتقنيات الحديثة.

كما أن المحافظة على هذه المعدلات، ثم الانتقال مستقبلاً نحو مستويات أعلى، يتطلب رؤية وطنية متكاملة، تتجاوز مجرد زيادة الإنتاج، لتشمل تطوير الاحتياطيات، وتسريع برامج الاستكشاف، وتعظيم إنتاج الغاز، وتقليل حرقه، ورفع كفاءة المصافي، وتحسين القيمة المضافة للصناعات النفطية، بما يحقق أفضل عائد ممكن للاقتصاد الليبي.

ويبقى الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة مستويات الإنتاج التي كانت ليبيا تحققها قبل عام 2011، والبالغة نحو 1.7 مليون برميل يومياً، هدفاً مشروعاً وقابلاً للتحقيق، لكنه يحتاج إلى واقعية في التخطيط، واستمرارية في التنفيذ، واستقرار في البيئة السياسية والأمنية، بعيداً عن أي ممارسات قد تعيد القطاع إلى دائرة الإغلاقات أو التجاذبات.

ومن منظور اقتصادي، فإن كل برميل إضافي تنتجه ليبيا لا يمثل رقماً في تقرير إنتاج فحسب، بل يعني زيادة في الإيرادات العامة، وتحسيناً لقدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية، ودعم مشاريع التنمية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الاحتياطات المالية، وخلق فرص أكبر للاستثمار والنمو الاقتصادي.

إن النفط سيظل خلال السنوات القادمة القاطرة الرئيسية للاقتصاد الليبي، ومن ثم فإن المحافظة على استقرار هذا القطاع تمثل مسؤولية وطنية مشتركة، تتجاوز المؤسسة الوطنية للنفط لتشمل جميع مؤسسات الدولة والقوى السياسية والمجتمعية.

وفي تقديري، فإن ما تحقق اليوم يستحق أن يكون مصدر فخر لكل ليبي، ورسالة أمل بأن التعافي ممكن، وأن الإنجازات الوطنية ما تزال قابلة للتحقيق رغم كل الظروف.

كما أنه يمثل رسالة تقدير مستحقة إلى آلاف العاملين في القطاع النفطي، الذين يعملون في ظروف صعبة، وفي مواقع نائية، ويحملون على عاتقهم مسؤولية الحفاظ على أهم مورد اقتصادي للدولة الليبية.

ويبقى الأمل أن يكون هذا الإنجاز خطوة جديدة نحو مرحلة أكثر استقراراً، وأن تستمر وتيرة العمل بنفس العزيمة والاحترافية، حتى تحقق ليبيا أهدافها الإنتاجية، ليس فقط بالأرقام، وإنما ببناء قطاع نفطي أكثر كفاءة واستدامة، يكون ركيزة حقيقية لازدهار الاقتصاد الوطني، وتحقيق التنمية التي يتطلع إليها جميع الليبيين.

مشاركة الخبر