كتب: عضو مجلس النواب “د.عبدالسلام عبدالله نصية” مقالاً
لم يعد شرق المتوسط مجرد مساحة بحرية تتنافس فيها الدول على مصادر الطاقة، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم ميادين الصراع الجيوسياسي في المنطقة. ومع اكتشاف حقول ضخمة من الغاز الطبيعي قبالة سواحل مصر وفلسطين وقبرص، ازدادت أهمية المنطقة، وبدأت الدول المطلة عليها، إلى جانب قوى إقليمية ودولية، في إعادة ترتيب تحالفاتها ومصالحها على أساس الطاقة والحدود البحرية وطرق تصدير الغاز إلى الأسواق الأوروبية.
وقد أسهمت اكتشافات الغاز الكبرى في تغيير الحسابات الاستراتيجية لدول المنطقة. فإلى جانب الاحتياطات الكبيرة المكتشفة قبالة سواحل فلسطين وقبرص ومصر، أصبحت أوروبا تنظر إلى شرق المتوسط باعتباره أحد المصادر المحتملة لتنويع إمدادات الطاقة وتقليل الاعتماد على مصادر أخرى.
وفي هذا السياق تأسس منتدى غاز شرق المتوسط عام 2019، بمشاركة عدد من دول المنطقة، بهدف تعزيز التعاون في مجال الغاز وتطوير البنية التحتية والأسواق الإقليمية. ومع الوقت لم يعد الغاز مجرد قضية اقتصادية، بل أصبح جزءًا من شبكة معقدة من التحالفات والتنافس على النفوذ وترسيم الحدود البحرية.
أين تقع ليبيا في هذه المعادلة؟
هنا تبرز أهمية ليبيا.
فالاتفاقية البحرية التي أبرمتها حكومة الوفاق الوطني الليبية مع تركيا في نوفمبر 2019، بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، لم تكن مجرد اتفاقية ثنائية بين طرابلس وأنقرة، وإنما أصبحت جزءًا من الصراع الأوسع حول الحدود البحرية وممرات الطاقة في شرق المتوسط.
وقد أثارت الاتفاقية اعتراضات شديدة من اليونان ومصر وقبرص، بينما اعتبرتها تركيا وحكومة الوفاق آنذاك أداة لحماية المصالح البحرية لكل منهما.
ومن هنا يمكن القول إن ليبيا وجدت نفسها، ربما دون أن تكون قادرة على التحكم الكامل في مسار الأحداث، داخل صراع جيوسياسي أكبر من قدرتها الذاتية على المناورة.
يمكن النظر إلى المشهد الإقليمي باعتباره تقاطعًا بين محورين رئيسيين:
الأول: تقوده تركيا، ويرى في الاتفاقية البحرية مع ليبيا ورقة استراتيجية مهمة في مواجهة الترتيبات البحرية التي تعتبرها أنقرة مجحفة بحقوقها في شرق المتوسط.
والثاني: يضم بصورة أساسية اليونان وقبرص، مع تقاطعات واضحة مع مصر ودول أخرى، ويرفض الاعتراف بالترتيبات التي أفرزتها الاتفاقية التركية–الليبية، ويرى أن بعض بنودها تتعارض مع حقوق الجزر وفق قواعد القانون الدولي للبحار.
وبذلك أصبحت ليبيا جزءًا من معادلة إقليمية تتجاوز حدود مصالحها المباشرة.
المشكلة الأساسية أن ليبيا دخلت هذه المعادلة وهي تعاني انقسامًا سياسيًا ومؤسسيًا عميقًا.
فالدولة المنقسمة لا تستطيع بسهولة إدارة ملف استراتيجي بحجم الحدود البحرية، ولا تستطيع أن تفاوض القوى الإقليمية والدولية من موقع قوة، خصوصًا عندما تصبح الاتفاقيات الدولية نفسها موضع خلاف داخلي وخارجي.
وهنا تكمن خطورة المسألة.
فبدل أن تكون ليبيا دولة تمتلك سياسة واضحة تجاه شرق المتوسط، أصبحت الساحة الليبية نفسها جزءًا من التنافس بين القوى الإقليمية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل ما يحدث في ليبيا سببه شرق المتوسط أو الغاز؛ فالأزمة الليبية أقدم وأكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. لكن من الصعب أيضًا تجاهل حقيقة أن الموقع الجغرافي لليبيا، وساحلها الطويل على البحر المتوسط، وارتباطها بالمسارات البحرية والطاقة، يجعلها ذات أهمية استراتيجية كبيرة في الحسابات الإقليمية.
هل أصبحت ليبيا ضحية؟
ربما تكون الإجابة الأدق هي أن ليبيا أصبحت ساحة تتقاطع فيها صراعات الآخرين بسبب ضعفها الداخلي، أكثر من كونها ضحية مباشرة لصراع شرق المتوسط.
فالخطر الحقيقي لا يتمثل فقط في أن تتنافس الدول على الحدود البحرية، وإنما في أن يتحول الانقسام الليبي إلى مدخل دائم للتدخل الخارجي، بحيث تصبح مصالح القوى الإقليمية جزءًا من معادلة الصراع الداخلي الليبي.
ولهذا فإن التعامل مع قضية شرق المتوسط من منظور ليبي يجب ألا يبدأ من السؤال: مع من تقف ليبيا؟ مع تركيا أم اليونان؟
بل من سؤال أكثر أهمية:
ما هي مصلحة ليبيا أولًا؟
من وجهة نظري، فإن الخروج من هذا المأزق يبدأ من الداخل الليبي.
توحيد المؤسسات، وإنهاء الانقسام السياسي، وتوحيد القرار السيادي، وبناء مؤسسات قادرة على حماية الحدود وإدارة الموارد، كلها شروط أساسية لكي تستطيع ليبيا الدفاع عن مصالحها البحرية والاقتصادية وفق القانون الدولي.
عندها فقط يمكن لليبيا أن تدخل حوار شرق المتوسط من موقع الدولة صاحبة القرار، لا من موقع الساحة التي تتنافس عليها القوى الأخرى.
لذلك ينبغي أن يكون الشعار الليبي في هذه المرحلة:
استقرار ليبيا أولًا، ثم شرق المتوسط.
فليبيا لا تستطيع أن تدافع عن حدودها البحرية وثرواتها ومصالحها الإقليمية وهي منقسمة على نفسها.
والقضية ليست أن تختار ليبيا بين هذا المحور أو ذاك، وإنما أن تستعيد أولًا قدرتها على أن تكون محورًا مستقلًا في حد ذاته.
فالسياسة الخارجية القوية تبدأ من دولة قوية في الداخل، والسيادة على البحر لا يمكن أن تكون أقوى من السيادة على الأرض.




