Skip to main content

الكاتب: A

خاص.. “المركزي” يخاطب التجاري الوطني بتأجيل الجمعية العمومية ويرفض انعقاد غير العادية

تحصلت صحيفة صدى الاقتصادية على مراسلة مصرف ليبيا المركزي بشأن مخاطبة مصرف التجاري الوطني بتأجيل انعقاد الجمعية العمومية وذلك لإعادة النظر في بنود جدول الأعمال مؤكداً أن الزيادة المقترحة في رأس مال المصرف التجاري الوطني تحتاج إلى دراسة واقعية ومستوفية لكافة المتطلبات، خاصة وأن آخر زيادة لرأس مال المصرف قد تمت مؤخرًا وفقًا للمتطلبات الرقابية.

وطالب بموجبها تأجيل انعقاد الجمعية العمومية العادية، وعدم الموافقة على انعقاد الجمعية العمومية غير العادية للمصرف التجاري الوطني.

الشلوي: القوة القاهرة في قطاع النفط.. ماذا تعني قانونياً وفنياً واقتصادياً عندما تصبح سلامة المنشآت والعاملين مهددة؟

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

أثار تحذير مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط من احتمال إعلان حالة القوة القاهرة (Force Majeure) ووقف العمل كلياً بمصفاة الزاوية، في حال استمرار الاعتداءات المتكررة على المنشآت النفطية بالمنطقة، تساؤلات مشروعة لدى الرأي العام حول معنى هذا المصطلح، وما الذي يترتب عليه فعلياً، وهل يعني مجرد إيقاف الإنتاج أو التكرير، أم أن له أبعاداً قانونية وتعاقدية وفنية وأمنية واقتصادية أوسع من ذلك؟

والحقيقة أن فهم «القوة القاهرة» يحتاج إلى الفصل بين معناها القانوني وبين آثارها التشغيلية. فهي ليست مجرد عبارة إعلامية تستخدم عند وقوع اضطراب أمني، وإنما آلية قانونية وتعاقدية معروفة في صناعة النفط الدولية، تلجأ إليها الأطراف عندما يقع ظرف استثنائي خارج عن إرادتها يجعل تنفيذ الالتزامات التعاقدية مستحيلاً، أو يحول دون استمرار العمليات على نحو آمن وطبيعي.

وفي الحالة الليبية، فإن للمفهوم أساساً قانونياً واضحاً؛ فقانون البترول الليبي رقم 25 لسنة 1955 تناول القوة القاهرة صراحة، ونص في مادته العشرين على أن حقوق والتزامات أطراف التعاقد في حالات القوة القاهرة تُنظم وفق الأحكام الواردة في الإطار التعاقدي الملحق بالقانون.

ليست إلغاءً للعقود.. وإنما حماية للالتزامات

من الناحية القانونية، إعلان القوة القاهرة لا يعني إلغاء العقود النفطية، ولا إسقاط الالتزامات بصورة نهائية، ولا إعفاء أي طرف من مسؤولياته إلى الأبد.

المعنى الأدق هو أن هناك حدثاً استثنائياً خارجاً عن السيطرة المعقولة للطرف المعني حال مؤقتاً دون تنفيذ التزاماته، ومن ثم يجري تعليق الالتزامات المتأثرة بهذا الحدث، وفقاً للعقد والقانون، إلى أن تزول الأسباب التي حالت دون تنفيذها.

وهذه نقطة مهمة للرأي العام؛ لأن المؤسسة الوطنية للنفط عندما تعلن القوة القاهرة في حقل أو ميناء أو منشأة معينة، فإنها في الجانب التعاقدي تقول لشركائها والمتعاملين معها: هناك ظرف خارج عن سيطرتنا يمنعنا من الوفاء الطبيعي ببعض التزاماتنا، ولذلك يجب التعامل مع عدم التنفيذ وفق أحكام القوة القاهرة الواردة في العقود.

وقد سبق للمؤسسة استخدام هذه الآلية في حالات توقف الإنتاج قسراً. ففي أبريل 2022، على سبيل المثال، أعلنت القوة القاهرة في حقل الفيل بعد منع العاملين من مواصلة الإنتاج، وقالت صراحة إن توقف الإنتاج جعل تنفيذ التزاماتها التعاقدية غير ممكن.

كما أعلنتها في حقل الشرارة عام 2024 عندما حالت الظروف القائمة دون عمليات إنتاج وتحميل الخام، ثم ترفع المؤسسة القوة القاهرة عندما تزول الأسباب التي أدت إليها وتصبح العودة إلى التشغيل ممكنة.

لماذا يختلف الأمر في الزاوية هذه المرة؟

ما يجري في الزاوية يستحق قراءة أكثر دقة، لأن المسألة لم تعد مرتبطة باعتصام أو إغلاق طريق أو إيقاف صمام إنتاج فحسب.

وفق بيان المؤسسة والتقارير المنشورة، تعرضت أصول نفطية بالمنطقة لسلسلة من الهجمات بالطائرات المسيّرة، وأصاب أحدها خزاناً لتخزين بنزين السيارات يحتوي على نحو 4.5 مليون لتر، ما تسبب في حريق كبير، كما تعرضت منشآت أخرى للاستهداف. وأعلنت المؤسسة حالة الطوارئ القصوى وحذرت من أن استمرار الاعتداءات قد يدفعها إلى إعلان القوة القاهرة وإيقاف المصفاة بالكامل.

وهنا تتغير طبيعة المخاطر جذرياً.

فالمنشأة النفطية ليست مبنى يمكن إخلاؤه وإغلاق أبوابه ببساطة. المصفاة منظومة صناعية مترابطة تحتوي على وحدات معالجة وخزانات وأنابيب ومضخات ومنظومات كهرباء وتحكم وإطفاء، وتتعامل بصورة مستمرة مع مواد هيدروكربونية شديدة الاشتعال.

ولهذا فإن إصابة خزان واحد لا ينبغي النظر إليها فقط من زاوية قيمة المنتج الموجود داخله، بل من زاوية احتمال انتقال الحادث إلى منشآت مجاورة ووقوع تأثير متسلسل أو ما يعرف في هندسة السلامة بالـ Domino Effect.

ومن هنا تصبح الأولوية المهنية واضحة: سلامة الإنسان أولاً، ثم سلامة المنشأة، ثم استمرار الإنتاج.

فنياً.. إيقاف المصفاة قد يكون قرار حماية وليس قرار إنتاج

هناك تصور لدى البعض بأن استمرار الإنتاج أو التكرير في جميع الظروف دليل قوة، وأن إيقاف المنشأة يمثل خسارة أو تراجعاً.

في الصناعة النفطية، الأمر ليس كذلك دائماً.

إذا أصبحت احتمالات الإصابة المباشرة للمعدات أو العاملين مرتفعة، فإن الإيقاف الآمن والمنظم للمنشأة (Safe Shutdown) قد يصبح القرار الفني الصحيح، لأن مواصلة التشغيل في بيئة غير آمنة يمكن أن تحول حادثاً محدوداً إلى كارثة صناعية واسعة.

والقرار في مثل هذه الحالات لا يُبنى فقط على سؤال: هل أصيبت وحدة التكرير نفسها؟

بل على أسئلة أخرى: هل ما زالت منظومات الإطفاء تعمل بكامل كفاءتها؟ هل شبكات الكهرباء والتحكم آمنة؟ هل الخزانات وخطوط النقل معرضة لهجمات جديدة؟ هل يستطيع العاملون وفرق الطوارئ الوصول والعمل بأمان؟ وهل يمكن ضمان عدم امتداد أي حريق محتمل إلى الوحدات الإنتاجية؟

وبالتالي، عدم وجود أضرار كبيرة في لحظة معينة لا يعني بالضرورة أن ظروف التشغيل الآمن متوافرة في الساعات أو الأيام التالية.

أمنياً.. حماية النفط ليست مهمة المؤسسة وحدها

وهنا نصل إلى نقطة أراها شديدة الأهمية.

المؤسسة الوطنية للنفط وشركاتها التابعة مؤسسات فنية وتشغيلية واقتصادية. تستطيع وضع خطط الطوارئ، وتشغيل أنظمة الإنذار والإطفاء، وتأمين المواقع داخلياً وفق اختصاصاتها، وإجراء تقييم المخاطر وإيقاف الوحدات عند الضرورة.

لكنها ليست الجهة التي يفترض بها التصدي العسكري للطائرات المسيّرة أو تحديد مصدر إطلاقها أو ملاحقة المسؤولين عنها.

تلك مسؤولية مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والقضائية المختصة.

ومن ثم فإن تحذير المؤسسة من احتمال إعلان القوة القاهرة يمكن قراءته أيضاً باعتباره إشعاراً مؤسسياً للدولة بأن مستوى المخاطر اقترب من الحد الذي لم يعد معه ممكناً ضمان التشغيل الآمن بالأدوات الفنية وحدها.

وهذا فارق جوهري.

اقتصادياً.. الضرر لا يتوقف عند بوابة المصفاة

مصفاة الزاوية ليست منشأة معزولة عن الاقتصاد الوطني. وتشير التقارير إلى أن طاقتها التكريرية تبلغ نحو 120 ألف برميل يومياً، كما ترتبط بمنظومة نفطية تشمل تدفقات الخام القادمة من حقل الشرارة الذي تبلغ طاقته نحو 300 ألف برميل يومياً.

ولهذا فإن توقف المصفاة فترة طويلة يمكن أن يخلق سلسلة من الآثار تتجاوز حدود الموقع نفسه.

فقد تتأثر عمليات التكرير وإمدادات السوق المحلي، وقد تظهر الحاجة إلى تعويض جزء من المنتجات عبر الاستيراد، كما يمكن أن تتأثر منظومة التخزين والتوزيع واللوجستيات وتدفقات الخام المرتبطة بالمنطقة.

وفي دولة تعتمد بدرجة كبيرة على النفط في تمويل الاقتصاد، فإن الاعتداء على منشأة نفطية لا يمثل خسارة للشركة التي تديرها فقط، وإنما اعتداءً على أصل اقتصادي مملوك للدولة الليبية وعلى مورد يمول الخزانة العامة والخدمات والمرتبات والاحتياجات الأساسية للمواطنين.

وهناك بعد آخر لا يقل أهمية: سمعة ليبيا الاستثمارية

ليبيا تسعى اليوم إلى زيادة الإنتاج وجذب شركات النفط العالمية واستعادة الاستثمارات في الاستكشاف والتطوير ورفع القدرة الإنتاجية.

وفي صناعة النفط، المستثمر لا ينظر فقط إلى حجم الاحتياطيات.

إنه ينظر أيضاً إلى المخاطر السيادية والأمنية والتشغيلية وإمكانية حماية العاملين والمنشآت واستمرارية الإنتاج والعقود.

ولهذا فإن تكرار الاعتداءات على البنية التحتية النفطية يرفع ما يعرف بـ Country Risk، وقد ينعكس على تكلفة التأمين والتمويل والخدمات اللوجستية، وعلى استعداد الشركات لإرسال كوادرها ومعداتها أو ضخ استثمارات جديدة.

ومن المفارقات المهمة أن المؤسسة كانت قد دعت في ديسمبر 2022 الشركات العالمية إلى رفع القوة القاهرة والعودة إلى أعمال الاستكشاف، مؤكدة استعدادها للمساعدة في توفير بيئة عمل آمنة بالتعاون مع السلطات المدنية والعسكرية؛ وقد استجابت شركات دولية لاحقاً ورفعت القوة القاهرة عن بعض مناطقها.

ولهذا فإن حماية الاستقرار الأمني حول المنشآت اليوم ترتبط مباشرة بقدرة ليبيا على المحافظة على الثقة التي تحاول إعادة بنائها مع المستثمرين.

ماذا يعني تحذير المؤسسة تحديداً؟

من المهم هنا أن نكون دقيقين: المؤسسة، وفق بيانها الحالي، لم تعلن القوة القاهرة حتى الآن.

هي قالت إنها قد تضطر إلى إعلانها إذا استمرت الاعتداءات، بالتوازي مع وقف العمل كلياً بالمصفاة. وهذا في تقديري فارق جوهري في تفسير البيان.

فالتحذير يمثل مرحلة تسبق القرار النهائي، ويمكن فهمه باعتباره رسالة على ثلاثة مستويات في آن واحد:

رسالة فنية بأن هامش التشغيل الآمن يتقلص؛ ورسالة قانونية وتعاقدية بأن استمرار الظروف الحالية قد يجعل تنفيذ بعض الالتزامات غير ممكن؛ ورسالة للدولة وأجهزتها المختصة بأن حماية المنشأة أصبحت ضرورة عاجلة قبل الوصول إلى نقطة يكون فيها الإيقاف الكامل الخيار المسؤول الوحيد.

ومن هذه الزاوية، لا ينبغي التعامل مع عبارة «القوة القاهرة» باعتبارها تهديداً من المؤسسة للدولة أو للمواطن، وإنما باعتبارها آلية لحماية الدولة نفسها من تبعات استمرار عمليات لم تعد شروط السلامة اللازمة لها متوافرة.

ومتى تنتهي القوة القاهرة؟

القوة القاهرة بطبيعتها ليست وضعاً دائماً.

عندما تزول الظروف التي أدت إليها، ويصبح الموقع آمناً، وتُجرى الفحوص الفنية اللازمة وتتأكد سلامة المعدات والمنظومات وقدرة العاملين على العودة، يمكن استئناف العمليات ورفع حالة القوة القاهرة وفق الإجراءات التعاقدية والفنية ذات الصلة.

وهذا ما حدث مراراً في القطاع الليبي؛ فالمؤسسة تعلن القوة القاهرة عندما يصبح تنفيذ الالتزامات متعذراً بسبب ظروف خارجة عن إرادتها، ثم ترفعها عندما تزول تلك الظروف.

النفط يجب أن يبقى خارج دائرة الصراع

وهنا ربما تكون الرسالة الأهم التي يحتاج إليها الرأي العام.

قد نختلف في السياسة، وفي إدارة الدولة، وفي تقييم الحكومات والمؤسسات والأشخاص، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع. لكن المنشآت النفطية ينبغي ألا تتحول إلى أدوات للصراع.

فالخزان الذي يحترق لا يميز بين شرق وغرب، وخط الأنابيب الذي يتوقف لا يعرف الانتماءات السياسية، وبرميل النفط الذي لا يُنتج أو المنتج النفطي الذي يُفقد تتحمل تكلفته في النهاية الخزانة العامة والمواطن الليبي.

والمؤسسة الوطنية للنفط أكدت في مناسبات سابقة تمسكها بدورها الفني وحياد القطاع وإبعاده عن النزاعات السياسية.

ومن هنا فإن المطلوب اليوم لا يقتصر على إطفاء الحريق أو إصلاح خزان متضرر، وإنما يتطلب تحقيقاً مهنياً شفافاً، وتحديد مصدر وطبيعة الاعتداءات، وتعزيز الحماية الفعلية للمنشآت، وتطوير قدرات الإنذار المبكر ومواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة، ومراجعة خطط استمرارية الأعمال والطوارئ في المنشآت النفطية الحيوية.

فالنفط الليبي ليس ملكاً لمؤسسة أو حكومة أو منطقة جغرافية بعينها، بل هو ثروة وطنية لكل الليبيين.

وإذا وصلت المؤسسة الوطنية للنفط في أي منشأة إلى قناعة فنية موثقة بأن استمرار التشغيل أصبح يعرض أرواح العاملين والمنشآت والمناطق المحيطة لخطر غير مقبول، فإن الإيقاف الآمن وإعلان القوة القاهرة، ضمن شروطهما القانونية والتعاقدية، لا ينبغي تفسيرهما باعتبارهما تخلياً عن المسؤولية.

بل قد يكونان، في تلك اللحظة تحديداً، ممارسة للمسؤولية ذاتها.

فالغاية النهائية ليست أن يستمر النفط في التدفق بأي ثمن، وإنما أن يستمر بأمان، وبصورة مستدامة، وتحت سيادة الدولة، ولصالح جميع الليبيين.

“الجهاني”: استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي: المواطن يدفع الثمن.. وتعرية “معادلة الاقتصاد غير المستدامة”

كتب: مستشار مصرفي ” علي الجهاني” مقالاً

شهدت الأروقة الاقتصادية والسياسية في ليبيا تطوراً مفصلياً بتقديم محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي محمد عيسى كتاب اعتذار عن الاستمرار في منصبه إلى رئيسي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بتاريخ 9 أغسطس 2026. ويأتي القرار في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ تتصاعد المضاربات وتتراجع القدرة الشرائية للدينار، ليجد المواطن البسيط نفسه مجدداً الضحية الأولى لمعارك نفوذ وسوء إدارة لا يد له فيها.

والاستقالة لم تُحسم بعد: فقد رفضها المجلس الأعلى للدولة وطالب المحافظ بالاستمرار في مهامه كاملةً — بما فيها ضبط الإنفاق العام ومنع التجاوزات في استخدامات النقد الأجنبي — إلى حين البت فيها، بينما لم يحسم مجلس النواب موقفه.

ونحن إذاً أمام وضع أخطر من الشغور لا أقل منه: محافظ يمارس صلاحيات كاملة برصيد شرعية متآكل. وقد سعّر السوق هذا الغموض فوراً؛ إذ تجاوز الدولار في السوق الموازية حاجز التسعة دنانير بعد استقرار عند حدود 8.40.

وقد وضع تحليل رجل الأعمال حسني بي الأزمة في نصابها الصحيح؛ فالاستقالة ليست حدثاً إدارياً، بل إعلان عن وصول نموذج إدارة الاقتصاد الليبي إلى حدود قدرته القصوى على الاستمرار.

ومع ذلك يجب التحفظ: فالكتاب لم يذكر الأسباب، ومن غير المهني الجزم بأن ملفاً بعينه هو السبب المباشر، لكن ما يمكن قوله بثقة أن البيئة التي عمل فيها المحافظ جعلت المهمة غير قابلة للأداء بالأدوات المتاحة.

أولاً: المواطن في مرمى النيران.. كلفة الأزمات المتتالية

في كل جولة من جولات الصراع السياسي أو التخبط المؤسسي، تتحول القرارات المالية فوراً إلى أعباء معيشية يكتوي بنارها الشارع الليبي:

تآكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار. بمجرد انتشار شائعات الاستقالة والتجاذبات، تشتعل الأسعار في السوق الموازية، ونتيجة لغياب الرقابة وتراجع قيمة الدينار، تنعكس الفروق فوراً في شكل موجات غلاء تضرب السلع الأساسية والمواد الغذائية والدواء — لأن الجزء الأكبر من استهلاك الليبي مستورد.

أزمة السيولة وتجميد الحياة المعيشية. يدفع الغموض الإداري واضطراب السياسات النقدية إلى تعقيد إجراءات فتح الاعتمادات وتدفقات النقد الأجنبي، مما يعيد طوابير المصارف إلى الواجهة، ويحرم المواطن من الوصول إلى مرتبه أو مدخراته لقضاء حاجياته الضرورية.

تحمل فاتورة الفجوة السعرية. عندما يُطلب من المصرف المركزي تثبيت سعر صرف غير قادر على تحمّله، ينشأ “ريع اقتصادي” يستفيد منه المضاربون وأصحاب الاعتمادات الرخيصة، بينما يدفع المواطن الثمن تضخماً في الأسواق العامة.

وحجم هذا الريع ليس تقديرياً: فقد بلغت استخدامات المصارف من النقد الأجنبي في الأشهر الخمسة الأولى من 2026 نحو 12.9 مليار دولار وفق تقرير المصرف المركزي. أي أن إدارة سعر الصرف ليست قراراً تقنياً بشأن رقم، بل آلية لتوزيع عشرات المليارات سنوياً — وكل دينار من الفارق بين السعرين تحويل صافٍ من حامل الدينار إلى من يملك حق الوصول إلى الدولار الرسمي.

ثانياً: الصراع الحقيقي.. هل الأزمة نقدية أم مالية؟

كما أوضح تحليل حسني بي، يكمن جوهر المشكلة في صراعين اقتصاديين متداخلين يصنعان معاً حلقة مفرغة:

  1. الصراع الأول (مالي): الاتفاق المنفلت

ليبيا تحصل على معظم إيراداتها بالدولار من النفط والغاز، وتنفق بالدينار: نحو 73 ملياراً للمرتبات، و37 ملياراً للدعم، وتم الاتفاق على إنفاق موحد على مستوى كامل التراب الليبي منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً وفق بيان المصرف المركزي.

لكنه وحّد الأرقام ولم يوحّد الانضباط: أقرّ سقوفاً دون آلية تلقائية تعيد ضبطها عند تغيّر الإيرادات النفطية الفعلية، ودون جهة تنفيذية واحدة تتحمل مسؤولية التجاوز، والمفارقة أن بيان المصرف عند التوقيع وصف الإطار بأنه قائم على “القدرة المالية الفعلية للدولة” — وهو المبدأ الذي لم تُرفق به أداة تنفيذ واحدة.

وهنا يصبح الاتفاق منفلتاً: التزامات بالدينار مُقرّة سياسياً ومحمية بتوافق بين مجلسين، في مقابل إيرادات بالدولار خاضعة لتقلبات الإنتاج والأسعار والإغلاقات.

وقد ظهر ذلك عملياً في يونيو 2026، حين وجّه رئيس لجنة الإنفاق الموحد بمجلس النواب رسالة إلى المحافظ حذّر فيها من أن المجلس قد يعتبر نفسه في حل من الالتزامات المرتبطة بالاتفاق إذا استمر ما وصفه بتعطيل تنفيذه — أي أن الاتفاق كان قابلاً للتنصل منه من طرف واحد بعد شهرين فقط من توقيعه.

وبذلك تحوّل المصرف المركزي إلى نقطة تصادم: السلطة السياسية تطالبه بتوفير الدينارات والسيولة، بينما يحذر هو وصندوق النقد الدولي من أن كل مليار دينار إضافي ينقلب خلال أسابيع إلى طلب إضافي على الدولار والسلع المستوردة.

وقد حذّر الصندوق في مشاورات 2026 من أن استمرار الإنفاق المرتفع يبقي الضغط على سعر الصرف ويستنزف الاحتياطيات، وأن السياسات القائمة غير مستدامة على المدى المتوسط.

  1. ثقب المحروقات الأسود

الدولة لا تدعم البنزين والديزل بالدينار فقط، بل تدفع جزءاً ضخماً من الفاتورة بالدولار لاستيراد وقود يُباع محلياً بأسعار شبه مجانية، ثم يتسرب جانب كبير منه إلى التهريب.

والمحصلة معادلة تستنزف نفسها بنفسها: تبيع الدولة الطاقة بالدولار، ثم تعيد شراءها بالدولار، بينما يُقيَّد المقابل بالدينار في اتفاق إنفاق لا سقف فعلياً له. وهي دائرة لا تستطيع أي سياسة نقدية بمفردها إغلاقها، لأن أدواتها تعالج الطلب على النقد الأجنبي ولا تمس مصدره.

  1. الصراع الثاني (نقدي): الدفاع عن سعر الصرف أم حماية الاحتياطيات؟

عندما تتجاوز الالتزامات بالدينار الموارد الدولارية المتاحة، يقع المركزي بين خيارات أحلاها مر: إما استنزاف الاحتياطيات، أو فرض قيود على الدولار، أو خفض قيمة الدينار، أو ترك السوق الموازية تتسع. والامتناع عن الاختيار هو في ذاته اختيار للمسار الأخير — وهو أسوأها توزيعاً للعدالة، لأنه يسلّم تسعير الاقتصاد كله للمضاربة.

ثالثاً: ما تقوله تجارب الدول

توضح التجارب الدولية أن تغيير الأشخاص دون معالجة الخلل المالي لا يحل المشكلة. ففي تركيا (2019–2021) أدت الإقالات والاستقالات المتتالية لمحافظي البنك المركزي بضغط سياسي إلى فقدان الليرة جانباً كبيراً من قيمتها وارتفاع التضخم، نتيجة عدم احترام استقلالية المؤسسة النقدية. وفي لبنان (2019–2023) أدى تمويل عجز الحكومة بأدوات نقدية، مع تجاذب إداري ممتد، إلى انهيار العملة وتآكل مدخرات المواطنين.

أما مصر، التي تُقدَّم أحياناً نموذجاً لسرعة حسم الفراغ الإداري بعد استقالة محافظها في أغسطس 2022، فقد اتسعت فيها الفجوة بين السعر الرسمي والموازي بعد التغيير لا قبله، ولم تُغلق إلا بتصحيح شامل لسعر الصرف في مارس 2024 اقترن بضبط مالي وتدفقات خارجية.

والخلاصة واحدة: قيمة العملة تستقر حين يُضبط الإنفاق، لا حين يتغيّر المسؤول عن المصرف المركزي — فالمحافظ لا يملك أدوات تصنع الدولار؛ يملك فقط أدوات توزّع الموجود منه.

رابعاً: من يتحمل كلفة التصحيح؟ والقرارات الواجب اتخاذها

كما أورد حسني بي، لا يوجد خيار بلا تكلفة؛ والسؤال الحقيقي: هل تُوزَّع كلفة الإصلاح بصورة واعية وعادلة، أم تُترك لتتوزع عشوائياً عبر التضخم وتآكل مدخرات الشارع؟

  1. قرارات عاجلة لطمأنة الشارع والسوق

حسم المسار الإداري للمصرف خلال مدة قصيرة ومعلنة، بقرار موحد من المجلسين: إما قبول الاستقالة مع تكليف قيادة تكنوقراطية بصلاحيات كاملة، أو رفضها مع ضمانات مكتوبة لاستقلالية القرار النقدي. والأسوأ من الخيارين هو تركهما معلقين.

ضمان استمرار ضخ العملة الأجنبية بإصدار تعاميم وتدابير عملية تؤكد استمرار فتح الاعتمادات للسلع الأساسية والأغراض الشخصية، لقطع الطريق على شائعات السوق الموازية.

نشر التقرير الفني الذي أرفقه المحافظ بكتابه المؤرخ في 2 أغسطس عن أداء مجلس الإدارة وتشخيص المخاطر، أو نشر ملخصه — فالسوق يسعّر الغموض بأعلى مما يسعّر الأخبار السيئة.

تفعيل التداول الجماعي لمجلس الإدارة بكامل صلاحياته التكنوقراطية، لتفادي رهن القرارات السيادية بشخص واحد.

  1. قرارات إصلاحية هيكلية (إيقاف النزيف)

ربط سقف الإنفاق بالإيراد الفعلي بآلية تلقائية: مراجعة ربع سنوية معلنة تعدّل الاعتمادات صعوداً وهبوطاً وفق الحصيلة النفطية المحققة لا وفق التقديرات. هذا هو الفارق بين اتفاق منضبط واتفاق منفلت.

إصلاح ملف دعم المحروقات: البدء الجاد في استبدال الدعم العيني للوقود بدعم نقدي مباشر للمواطنين، بجدول زمني معلن وتعويض محدد للفئات الأدنى دخلاً، لإغلاق باب التهريب وتوفير المليارات من النقد الأجنبي.

التنسيق بين السياسة النقدية والمالية: تشكيل لجنة دائمة تضم المصرف المركزي ووزارة المالية والمؤسسة الوطنية للنفط، لموازنة الالتزامات بالدينار مع التدفقات بالدولار قبل الإقرار لا بعده.

قاعدة إفصاح شهرية عن الإيرادات والاحتياطي ومبيعات النقد الأجنبي وحجم الاعتمادات المفتوحة. الشفافية هنا ليست ترفاً حوكمياً؛ إنها أرخص أداة متاحة لخفض علاوة المخاطر في السوق الموازية.

خاتمة

إن استقالة المحافظ ناجي عيسى تؤكد أن السياسة قد تستطيع تأجيل الإصلاح، لكنها لا تستطيع إلغاء الفاتورة. والاتفاق الذي وحّد أرقام الإنفاق دون أن يوحّد قواعد انضباطه لم يُنهِ الانقسام المالي؛ بل حوّله من انقسام معلن بين حكومتين إلى ضغط صامت على مؤسسة واحدة.

وإذا لم تتحمل المالية العامة مسؤوليتها اليوم بتعديل الإنفاق والدعم، فسيدفع الفاتورة غداً الاحتياطي، أو الدينار، و النتيجة النهائية سيدفعها المواطن من قوته اليومي.

خاص.. “الزنتوتي”: المركزي مُجرّد من أدواته.. فسادٌ يلتهم الدولة وإنفاقٌ بلا حدود فكيف يبقى المسؤول؟

قال المحلل المالي “خالد الزنتوتي” حصرياً لصحيفة صدى الاقتصادية: إنّه “سواء صح نبأ الاستقالة أو لم يصح، وسواء أكان ناجي عيسى أو غيره، لا أعتقد بأن أي مسؤول كان وأينما كان يستطيع أن يتحمل المسؤولية تحت هذا النوع من الظروف مهما كانت قدراته ووطنيته”.

وأضاف الزنتوتي: “للأسف البيئة الليبية بشكل عام وفي وضعها القائم طاردة لكل خبرة وطنية نظيفة صادقة، والمصرف المركزي للأسف وقع بين المطرقة والسندان”.

وأوضح: “مطرقة الفساد والإنفاق المنقطع النظير وضغط المتنفلين وأصحاب المصالح في الاعتمادات والتحويلات والدولار، وسندان الحكومات المنقسمة وتوابعها المتصارعة على السلطة والغنيمة، السياسات النقدية معطلة والسياسات التجارية مفقودة والسياسات المالية مسروقة، فماذا عسى المركزي أن يفعل؟”

وتابع: “مجرد من كل أدواته، وإنفاق غير معقول، واعتمادات مشبوهة، وتجار ومهربين تحت مظلة الحماية والسلاح، فهل يستطيع المركزي القيام بمهامه الأصلية كمصرف مركزي؟ لا يمكن ذلك أبداً، إلا بمجاراة والاستجابة لمتطلبات الفساد ومريديه وإنفاق تجاوز كل حقب التاريخ”.

وأشار الزنتوتي إلى أن “قيمة المحروقات المستوردة وصلت لأكثر من 1.3 مليار دولار لشهر واحد، وبقينا في طوابير البنزين وبانقطاع كهربائي لم يسبق له مثيل، والتهريب يلتهم نصف المحروقات، والباقي من الإيراد النفطي لا يتجاوز المليار دولار في شهر يوليو الماضي، ربما لا يكفي المرتبات”.

وتساءل: «أليس الأجدر بالمسؤول، إذا كان صادقًا مع الله ومع نفسه، أن يقول: لا أستطيع الاستمرار، ويترك منصبه؟ أما الآخرون، ولا أعمم، فيبقون في السلطة لسنوات طويلة، بعد أن يتتلمذوا ويحفظوا الدرس، لتصبح المعادلة: زيك زيهم، وحصتي وحصتك، وربما يفكرون في الاستقالة بعد سنوات من الحصاد».

واختتم المحلل المالي “خالد الزنتوتي” بالقول: “إنني بصدق أحترم كل من يرفض العمل في هذه الظروف، وإني أتقدم بخالص العزاء لأولئك المتشبثين بالسلطة وفقدانهم لأسمى معاني شرف الوظيفة العامة”.

خاص.. المركزي: عمليات النقد الأجنبي مستمرة بشكل طبيعي ولا صحة لتوقفها وإداراتنا تعمل بشكل طبيعي

أكد مصرف ليبيا المركزي لصحيفة صدى الاقتصادية بأن عمليات النقد الأجنبي تسير بشكل طبيعي ومستمر المصرف في بيع النقد الأجنبي وتغطية الاعتمادات ومنح الموافقات.

وأشار المركزي إلى أن ما يشاع غير صحيح وإدارات المصرف تعمل بشكل طبيعي.

خاص.. “البرغوثي”: فاتورة المحروقات تكشف استنزاف موارد النفط.. واستقالة المحافظ ليست مبرراً لصراع سياسي جديد

قال الخبير الاقتصادي “محمد البرغوثي” في تصريح خص به صحيفة صدى الاقتصادية: إن استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي وارتفاع فاتورة استيراد المحروقات خلال الفترة الأخيرة يجب أن تكونا مناسبة للنظر بهدوء إلى طبيعة التحديات التي يواجهها الاقتصاد الليبي، وليس مناسبة للدخول في صراع سياسي جديد.

وأضاف “البرغوثي”: إن المسألة الاقتصادية في ليبيا أكبر من الأشخاص والمناصب، وترتبط بمجموعة من الاختلالات المتراكمة في المالية العامة والإنفاق العام واستهلاك النقد الأجنبي والاعتماد الكبير على استيراد السلع والمحروقات.

وأوضح أن ارتفاع فاتورة المحروقات وبلوغ مستوى غير مسبوق من التهريب والفساد والسرقات في هذا الملف يؤكد أن جزءًا مهمًا من موارد ليبيا النفطية يعود مرة أخرى إلى الخارج لتمويل احتياجات السوق المحلي ولتغطية سرقات المنتفعين، وهو ما يجعل معالجة ملف الطاقة من أهم الملفات الاقتصادية التي تحتاج إلى رؤية طويلة المدى تتجاوز الحلول المؤقتة.

وأشار إلى أن ليبيا في هذه المرحلة تحتاج إلى الحفاظ على استقرار المؤسسات المالية والنقدية واستمرار العمل داخل مصرف ليبيا المركزي بصورة منتظمة وواضحة بما يحافظ على ثقة المواطنين والسوق.

كما أكد أن استقالة المحافظ أو إعفائه لا ينبغي أن تتحول إلى نقطة خلاف جديدة بين المؤسسات والأطراف السياسية، بل يجب أن تكون مناسبة لتعزيز استقلالية المؤسسات الاقتصادية واستمرار العمل وفق قواعد واضحة تحمي السياسة النقدية والمالية من التقلبات.

وقال “البرغوثي”: إن ليبيا تملك الموارد والإمكانيات الكافية لتجاوز هذه المرحلة، ولكنها تحتاج إلى قدر أكبر من الاستقرار المؤسسي والانضباط المالي والتنسيق بين المؤسسات والابتعاد عن تحميل طرف واحد مسؤولية اختلالات تراكمت على مدى سنوات.

وأضاف أن الهدف في النهاية ليس الدفاع عن شخص أو مؤسسة، وإنما حماية الاقتصاد الليبي والمحافظة قدر المستطاع على قيمة الدينار واستقرار السوق وضمان توجيه موارد النفط نحو التنمية، بدلًا من استمرار ارتفاع فاتورة الاستيراد وسرقات المنتفعين وفسادهم وتهريبهم.

خاص.. “القماطي”: استقالة محافظ المركزي ليست جوهر الأزمة.. ليبيا تحتاج إلى منظومة اقتصادية جديدة

قال أستاذ الاقتصاد “د. حلمي القماطي” حصرياً لصحيفة صدى الاقتصادية، إن المشكلة في ليبيا أكبر من استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، وأكبر من تغيير شخص بشخص، موضحاً أن السؤال الاقتصادي الصحيح ليس: هل ناجي عيسى فشل؟ وإنما: هل كانت لديه أصلاً مساحة كافية لإدارة سياسة نقدية مستقلة داخل منظومة مالية وسياسية واقتصادية مضغوطة من كل الجهات؟

وأوضح “القماطي” أن السياسة النقدية لا تستطيع وحدها معالجة عجز المالية العامة، ولا وقف التوسع في الإنفاق، ولا إصلاح منظومة الدعم، ولا منع تهريب الوقود، ولا معالجة ضعف الإنتاج المحلي، ولا وقف الطلب المتزايد على الدولار، مشيراً إلى أن الأرقام تؤكد أن المشكلة هيكلية.

وأضاف أن استخدامات النقد الأجنبي في ليبيا بلغت خلال عام 2025 نحو 31.1 مليار دولار، مقابل إيرادات نفطية وإتاوات في حدود 22.1 مليار دولار، أي بفجوة تقارب 9 مليارات دولار بين ما يدخل من المورد الرئيسي وما يخرج من النقد الأجنبي.

وأشار إلى أن الأخطر هو وصول فاتورة المحروقات إلى أعلى مستوى لها الشهر الماضي، متسائلاً: كيف لدولة نفطية تنتج وتصدر النفط، ثم تدفع قرابة 10 مليارات دولار لاستيراد المحروقات؟

وأكد أن هذه ليست مشكلة مصرف مركزي فقط، بل مشكلة اقتصاد ريعي، ودعم غير كفؤ، وتهريب، وضعف في الإنتاج والتكرير، وتشوه في الأسعار والحوافز، وغياب سياسة مالية موحدة.

وفي المقابل، شدد القماطي على أن المصرف المركزي ليس معفياً من المسؤولية، موضحاً أن المصرف مسؤول عن إدارة النقد الأجنبي، واستقرار سعر الصرف، والسيولة، والقطاع المصرفي، والرقابة، وحماية استقلال السياسة النقدية.

وقال إن النقطة الأخطر تتمثل في أنه إذا أصبحت قرارات النقد الأجنبي والإنفاق والدعم والاعتمادات تحت ضغط جماعات مصالح، فالمشكلة لم تعد تسمى فشل محافظ، وإنما استحواذاً على المؤسسة الاقتصادية.

وأضاف أن المؤسسة التي يفترض أن تدير الموارد العامة وفق الكفاءة والاستقرار الاقتصادي تتحول تدريجياً إلى ساحة صراع على توزيع الريع، معتبراً أن هذا هو جوهر الأزمة الليبية، حيث يولد النفط الريع، ويولد الريع مصالح، وتضغط المصالح على المؤسسات، فيما تعيد المؤسسات الضعيفة إنتاج الحلقة نفسها.

وأكد “القماطي” أن تغيير المحافظ وحده لن يحل المشكلة، قائلاً إنه في حال تغيير ناجي عيسى وتعيين محافظ آخر، مع بقاء الإنفاق العام متضخماً، واعتماد الاقتصاد على النفط، والدعم مفتوحاً، وتهريب المحروقات مستمراً، والطلب على الدولار مرتفعاً، والسياسة المالية غير منضبطة، والانقسام المؤسسي قائماً، وجماعات المصالح قادرة على التأثير في القرار الاقتصادي، فإن ما سيحدث هو تغيير الشخص دون تغيير المعادلة.

وأشار إلى أن القضية اليوم ليست قضية ناجي عيسى وحده، بل تتمثل في التساؤل حول ما إذا كانت ليبيا تريد مصرفاً مركزياً مستقلاً فعلاً، أم مصرفاً مركزياً محاصراً بضغوط السياسة والمالية وجماعات المصالح.

ولفت إلى أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من إعادة بناء المنظومة، من خلال قاعدة مالية تضبط الإنفاق، وإصلاح الدعم، ومواجهة تهريب المحروقات، وإعادة هيكلة قطاع النفط والتكرير، وتنويع الاقتصاد، وتوحيد المؤسسات، وتحقيق شفافية كاملة في استخدام النقد الأجنبي.

وشدد على أن الاحتياطيات ليست أموالاً بلا نهاية، بل هي خط الدفاع الأخير عن قيمة الدينار والاستقرار الاقتصادي، محذراً من أن الاستمرار في استخدام النقد الأجنبي لتمويل الاختلالات الهيكلية لا يعالج الأزمة، وإنما يرحّلها إلى المستقبل ويجعل فاتورتها أكبر.

واختتم “القماطي” بالتأكيد على أن ليبيا اليوم لا تحتاج فقط إلى محافظ جديد للمصرف المركزي، بل تحتاج إلى منظومة اقتصادية جديدة تحمي المصرف المركزي من التدخل، وتحمي المال العام من جماعات المصالح، وتحول النفط من مصدر للريع إلى مصدر لبناء اقتصاد.

وأضاف أنه إذا كانت استقالة المحافظ قد حدثت فعلاً، فيجب ألا تكون نهايتها مجرد تغيير اسم المحافظ، بل يجب أن تكون بداية مراجعة حقيقية للسياسات التي أوصلت الاقتصاد الليبي إلى هذه النقطة.

خاص.. “الحضيري”: استقالة محافظ المركزي تفرض قراءة هادئة.. وارتفاع فاتورة المحروقات مؤشر مقلق

صرّح الخبير في المجال النفطي “عثمان الحضيري”، في تصريح خصّ به صحيفة صدى الاقتصادية، بشأن استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى”: “في اعتقادي، لن تُقبل خلال هذه المرحلة بالتأكيد، لكنها تفرض قراءة هادئة ومسؤولة لأسبابها وتداعياتها، بعيدًا عن التوظيف السياسي”.

وأضاف “الحضيري”: “أما ارتفاع فاتورة المحروقات، فهو مؤشر مقلق، وله أسبابه، والجميع لا يريد البوح بتلك الأسباب، وهذا سينعكس مباشرةً على كلفة المعيشة، وأيضًا يستدعي شفافية أكبر وحلولًا عملية لحماية القدرة الشرائية للمواطن”.

“الحضيري”: الشفافية في القطاع النفطي الليبي.. هل هو واقعاً؟ وغير قابل للنقد!

كتب: الخبير القانوني في مجال النفط عثمان الحضيري مقالاً

تُعد المؤسسة الوطنية للنفط واحدة من أهم المؤسسات السيادية في ليبيا، ليس فقط لأنها تدير المورد الرئيسي للدخل العام، وإنما لأنها تتعامل مع ثروة يملكها الليبيون جميعًا. ولهذا فإن السؤال عن الشفافية والحوكمة داخل المؤسسة ليس اتهامًا لأحد، بل حق أصيل للمواطن، وضرورة لحماية المؤسسة نفسها من الشكوك والتجاذبات السياسية.

وللإنصاف يقتضي القول إن مؤسسة النفط قطعت خلال الفترة الأخيرة خطوات واضحة في مجال الإفصاح ، فقد أصبحت تنشر على موقعها تقارير عن الإنتاج والإيرادات، كما نشرت تفاصيل تحويلات عوائد النفط إلى مصرف ليبيا المركزي، وأعلنت في أكثر من مناسبة عن إجراءات تتعلق بالمشتريات وتوريد الوقود، ولكن الإفصاح عن بعض البيانات لا يعني بالضرورة اكتمال منظومة الشفافية والحوكمة.

هل تحقق المؤسسة متطلبات الحوكمة والشفافية؟

المعيار الحقيقي لا يتمثل في نشر الأخبار أو البيانات فقط، وإنما في إمكانية أن يستطيع المواطن والجهات الرقابية والمختصون تتبع دورة المال العام كاملة ، من الإنتاج والقياس والتصدير، إلى البيع والتحصيل والتحويل إلى مصرف ليبيا المركزي والخزانة العامة، ثم معرفة كيفية إنفاق الأموال.

وهنا تبرز الحاجة إلى مزيد من الإفصاح المنهجي، خصوصًا أن صندوق النقد الدولي أوصى ليبيا في تقريره لعام 2025 بالالتزام بمعايير مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية ، مع إعطاء الأولوية لإنتاج بيانات دقيقة عن إنتاج النفط وصادراته، كما أوصى بتقوية إطار حوكمة مؤسسة النفط ، والفصل الواضح بين الدور الرقابي لمجلس الإدارة والإدارة التنفيذية، ووضع معايير شفافة لاختيار القيادات، على مستوى الادارات العامة بالمؤسسة وشركاتها وتعزيز استقلالية أعضاء مجلس الإدارة لكل منها ، وإنشاء وظائف مستقلة للمخاطر والتدقيق والامتثال.

وهذه توصيات دولية مهمة، لأنها تعني أن التحدي لا يتعلق بنشر الأرقام فحسب، بل ببناء نظام مؤسسي يمكن التحقق منه بصورة مستقلة.

وماذا عن العقود وعمليات البيع؟

العقود النفطية ليست مجرد وثائق تجارية ، إنها ترتبط مباشرة بحقوق الدولة وبنصيبها من ثروتها الطبيعية. ولذلك تعتبر مبادرة نشر العقود والاتفاقيات والتراخيص من أهم أدوات تمكين المواطنين من معرفة التزامات الشركات وحقوق الدولة والعوائد المتوقعة من كل اتفاقيه .

ومن ثم فإن المطلوب ليس فقط الإعلان عن توقيع عقد أو اتفاق، بل إتاحة المعلومات الأساسية التي تسمح بتقييمه ، من حيث الأطراف، المدة، الالتزامات، الحصة المالية، شروط استرداد التكاليف، الالتزامات الاستثمارية، وآليات التدقيق والرقابة.

أما القول بأن عقود المؤسسة تتمتع بالمصداقية، فلا يمكن أن يكون حكمًا مهنيًا مطلقًا من دون إتاحة العقود وملحقاتها للجهات الرقابية، وإخضاعها للمراجعة القانونية والمالية والفنية المستقلة.

بيع النفط وشراء المنتجات.. أين تبدأ الثقة؟

في ملف بيع النفط الخام وشراء الوقود والمنتجات النفطية، تصبح الشفافية أكثر أهمية بسبب ضخامة القيم المالية وحساسية الأسعار العالمية.

وقد أعلنت المؤسسة في 2026 أن عمليات بيع النفط وشراء المنتجات تتم عبر المصرف الليبي الخارجي وتحت رقابة الجهات المختصة، كما أعلنت انتهاء نظام المقايضة منذ مارس 2025 والانتقال إلى آلية تعتمد على الاعتمادات المستندية لشراء الوقود ، يبقى السؤال المهم هل تم تنفيذ رسالة النائب العام بالخصوص؟؟

كما شهد ملف استيراد الوقود في 2026 تحولًا نحو المناقصات المباشرة، مع دخول شركات تجارية دولية في عمليات التوريد ، مع العلم لازالت المؤسسة تتعامل مع شركات قزمية في هذا المجال ولا نعرف لماذا هذا الاصرار ؟؟؟

هذه خطوات يمكن أن تعزز الشفافية، لكن المعيار النهائي هو نشر نتائج المناقصات بصورة قابلة للتحقق ، من تقدم؟ ومن فاز؟ وبأي سعر؟ وما الكميات؟ وما المواصفات؟ وما الأساس الذي تم بموجبه اختيار العرض الفائز؟

فالشفافية الحقيقية لا تقول فقط «أجرينا مناقصة»، وإنما تتيح للمراقب معرفة كيف جرت المناقصة ولماذا فاز هذا العرض تحديدًا.

هل تتطابق أرقام النفط مع مصرف ليبيا المركزي ووزارة المالية؟

هذه من أهم النقاط التي يجب أن تتحول إلى نظام إفصاح دوري وموحد.

فمصرف ليبيا المركزي نشر بيانات تفصيلية عن إيرادات النفط والإتاوات المحولة إليه خلال 2025، وبلغ مجموعها نحو 22.05 مليار دولار تقربا ، منها نحو 18.79 مليار دولار إيرادات نفطية ونحو 3.26 مليار دولار إتاوات وفق كشف المصرف للفترة من يناير إلى ديسمبر 2025.

كما أظهر المصرف في نشراته الدورية أرقامًا مرحلية للإيرادات النفطية، مؤكدًا توجهه إلى رفع مستوى الإفصاح والشفافية ،

لكن المقارنة المهنية لا ينبغي أن تتوقف عند تطابق رقم إجمالي مع رقم آخر. المطلوب هو مطابقة شهرية قابلة للتدقيق بين مؤسسة النفط ومصرف ليبيا المركزي ووزارة المالية، تشمل الكميات المصدرة، أسعار البيع، قيمة الشحنات، تاريخ التحصيل، العمولات والمصروفات، والإيرادات والإتاوات المحولة.

وكلما أمكن للمواطن والمراجع المستقل أن ينتقل من رقم الإنتاج إلى رقم التصدير ثم إلى قيمة البيع ثم إلى المبلغ المودع في حساب الدولة، أصبحت الثقة أقوى.

هل مداخيل بيع النفط الخام تتوافق مع المعايير الدولية؟

المعيار الدولي لا يعني مجرد أن الأموال دخلت إلى حساب مصرفي رسمي. بل يعني وجود سلسلة موثقة وقابلة للمراجعة تبدأ من قياس الإنتاج وتنتهي بتسجيل الإيراد العام.

وهنا تأتي أهمية تطبيق مبادئ المتعلقة بدقة بيانات الإنتاج والصادرات والإيرادات، وهي نقطة أشار إليها صندوق النقد الدولي صراحة في توصياته الخاصة بليبيا.

وبالتالي فإن السؤال الصحيح ليس: «هل نثق في المؤسسة؟»، وإنما: هل توجد منظومة مستقلة تجعل الثقة مبنية على بيانات قابلة للتحقق، بدل أن تكون مبنية على الثقة الشخصية؟

التدريب والمهام الرسمية

في مجال التدريب، توجد مؤشرات إيجابية معلنة ، فقد أعلنت المؤسسة عن خطط تدريبية تتضمن المتابعة الإلكترونية وقياس أثر التدريب، كما نفذت برامج بالتعاون مع شركات دولية ، وأكدت في 2025 أهمية توفير فرص تدريب عادلة للعاملين ، كما أعلنت المؤسسة عن اهتمامها بتطوير المراجعة الداخلية والامتثال والحصول على الشهادات المهنية العالمية.

لكن معيار الشفافية في هذا الملف يحتاج أيضًا إلى نشر أسس اختيار المستفيدين من التدريب الخارجي، وتكلفة البرامج، وعدد المستفيدين، والجهة المنفذة، ونتائج التدريب، وأسس اختيار الموظفين للمهام الرسمية والسفر والانتداب. وهل مراكز التدريب تتمتع بالمصداقية ، ومن يملك تلك المراكز وتبعيتها ؟؟
فالتدريب ليس امتيازًا إداريًا، والمهام الرسمية ليست بابًا للمحاباة ، كلاهما إنفاق عام يجب أن يخضع لمعايير واضحة وقابلة للمراجعة.

الشركات التابعة.. الحلقة التي تحتاج إلى مزيد من الضوء

أما الشركات المملوكة كليًا أو جزئيًا للمؤسسة، فإن الشفافية فيها يجب ألا تكون أقل من الشفافية داخل المؤسسة الأم.
فالمواطن يحتاج إلى معرفة إنتاج كل شركة، تكاليف التشغيل، برامج الصيانة، المصروفات الرأسمالية، التوقفات الإنتاجية وأسبابها، عقود الخدمات، نتائج الأعمال، ونسب المشاركة في الشركات المشتركة.

ولا يكفي الإعلان عن زيادة الإنتاج أو تنفيذ مشروع صيانة؛ المطلوب أن يستطيع المختص مقارنة التكلفة بالنتيجة، ومعرفة ما إذا كانت الأموال التي أنفقت على الصيانة أدت بالفعل إلى رفع الجاهزية والإنتاج وإطالة عمر الأصول والاهم من ذلك تكلفة انتاج البرميل ،

وهنا تبرز أهمية التوصية التي قدمها صندوق النقد الدولي بشأن توسيع قدرة الجهات الرقابية على الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالمؤسسات والشركات المملوكة للدولة والشركات التابعة لها.

ما اود التنويه عليه ان النقد لا يعني الاتهام

المؤسسة الوطنية للنفط ليست فوق النقد، كما أنها ليست متهمة لمجرد أن المجتمع يطالبها بمزيد من الإفصاح.

والإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هناك تطورًا ملحوظًا في نشر البيانات والإعلان عن الإيرادات والتدريب والمناقصات، وأن المؤسسة اتخذت خطوات في اتجاه تعزيز المراجعة الداخلية والامتثال.

لكن الإنصاف نفسه يقتضي القول إن مستوى الشفافية المطلوب من مؤسسة تدير المورد الأكبر لليبيين يجب أن يتجاوز البيانات العامة إلى شفافية قابلة للتحقق والمراجعة المستقلة.

إن الطريق إلى الثقة لا يكون بطلب المواطن أن يثق، وإنما بإعطائه الأدوات التي تجعله قادرًا على التحقق.

ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس حملة ضد مؤسسة النفط ، بل مشروع شفافية نفطي وطني يقوم على نشر العقود الأساسية، ونتائج المناقصات، وبيانات الإنتاج والتصدير، وأسعار البيع، والإيرادات المحولة، وموازنات الشركات التابعة، وتكاليف الصيانة، وبرامج التدريب والمهام الرسمية، مع إخضاع هذه البيانات لمراجعة مستقلة ومنتظمة.

فإذا تطابقت الأرقام، وظهرت العقود، واتضحت آليات البيع والشراء، وأمكن تتبع الدينار والدولار من البئر إلى الخزانة العامة، فلن يكون النقد حينها تشكيكًا في المؤسسة، بل سيكون جزءًا من حمايتها.

فالشفافية ليست إدانة للإدارة، والرقابة ليست عداءً للمؤسسة؛ بل إن أفضل إدارة هي التي لا تخشى أن تكون أرقامها وعقودها وقراراتها وفق القوانين والتشريعات.

“المركزي” يستأنف نشر بيان الإيراد والإنفاق الشهري اعتبارًا من سبتمبر المقبل

أعلن مصرف ليبيا المركزي عن استئناف نشر بيان الإيراد والإنفاق الشهري اعتباراً من بداية سبتمبر 2026، متضمناً بيانات الإيراد والإنفاق حتى نهاية شهر أغسطس.

وذلك في إطار حرص المصرف على تعزيز الشفافية والإفصاح المالي والاقتصادي، وإتاحة البيانات المالية الدورية بصورة منتظمة.

خاص.. مصادر لصدى: نصف إيرادات النفط تُقتسم بين السلطات.. والدولار بالمصارف مهدد بالقفز إلى 10 دنانير

كشفت مصادر حصرية لصحيفةصدىالاقتصادية عن تقاسم الإيرادات النفطية بين ذوي النفوذ وهي مصدر الليبيين الوحيد مستوى خطير وصلت إليه ليبيا حيث يتم تقاسم نصف هذه الإيرادات بين السلطات مما تسبب في تدنيها وعدم إمكانيتها تغطية حتى كافة المرتبات.

وأضافت المصادر: انهيار الوضع الاقتصادي بليبيا قد يساهم في ارتفاع سعر الدولار الرسمي بالمصارف إلى 9 أو 10 دينار وذلك لتجاوز الحكومات سقف الإنفاق الموحد.

خاص.. “المركزي”: ستباشر اللجان المكلفة منح الموافقات الجديدة للاعتمادات مع استمرار بيع الأغراض الشخصية بوتيرة أسرع

صرح مصرف ليبيا المركزي لصدى الاقتصادية أنه بعد مراجعة بعض الإجراءات لتنظيم منح موافقات الاعتمادات وتخويلها للمصارف اعتباراً من يوم الغد ستباشر اللجان المكلفة منح الموافقات الجديدة للاعتمادات .

وكذلك سيتم تخويلها للمصارف واستمرار بيع قيم الاعتمادات الموافق عليها ، مع استمرار بيع الأغراض الشخصية بوتيرة أسرع .

تعثُر التشغيل في مطار مصراتة يبرز ضرورة إسناد إدارة المطارات إلى قيادات فنية متخصصة

إن ما شهده مطار مصراتة الدولي خلال الفترة الماضية من تأخير في الرحلات وتعطل بعض العمليات التشغيلية يسلط الضوء على أهمية اختيار القيادات الفنية المؤهلة لإدارة وتشغيل المطارات، إذ إن إدارة المطار لا تقتصر على الجوانب الإدارية فحسب، بل تعتمد بصورة أساسية على المعرفة الفنية والتشغيلية.

وقد جاء تخصص إدارة المطارات استجابةً لطبيعة هذا القطاع الحساس، لما يتطلبه من إلمام بقواعد سلامة الطيران، وإدارة الحركة الجوية على أرض المطار، وتشغيل المرافق الحيوية، وآليات التنسيق بين برج المراقبة، ومركز العمليات، وخدمات الإطفاء والإنقاذ، والأمن، والمناولة الأرضية، وكافة الجهات العاملة داخل المطار.

إن تعيين القيادات في المرافق الجوية يجب أن يستند إلى الكفاءة والخبرة والتخصص، لأن أي قصور في إدارة العمليات التشغيلية قد ينعكس مباشرة على سلامة التشغيل، وانتظام الرحلات، وجودة الخدمات المقدمة للمسافرين. فالمطارات تعد من أكثر المرافق تعقيدًا، وتتطلب إدارة متخصصة قادرة على اتخاذ القرارات المناسبة في الظروف الاعتيادية والطارئة، وفقًا للوائح الطيران المدني والمعايير الدولية.

ومن ثم، فإن تطوير الأداء التشغيلي للمطارات يبدأ باختيار الكفاءات المؤهلة علميًا وعمليًا، بما يضمن استمرارية التشغيل الآمن والفعال، ويعزز الثقة في منظومة الطيران المدني.

الحضيري: ليبيا ومليونا برميل يوميًا.. هل تغيّرت المعادلة أم تتكرر الوعود؟

كتب: الخبير القانوني في مجال النفط “عثمان الحضيري” مقالاً

عادت التصريحات الرسمية لإدارة مؤسسة النفط لتبشر بهدف رفع إنتاج ليبيا من النفط إلى مليوني برميل كالعادة يوميًا بحلول أوائل العقد المقبل، مستندة هذه المرة إلى إقرار أول ميزانية موحدة للدولة، والتي خصصت للمؤسسة تمويلًا يمكّنها من تشغيل الحقول، وصيانة البنية التحتية، وتنفيذ مشروعات التطوير، وجذب الاستثمارات الأجنبية.

لا أحد يختلف على أن توفير التمويل يمثل عنصرًا أساسيًا في تطوير قطاع النفط، لكن التجربة الليبية علمتنا أن التمويل وحده لا يصنع الإنجاز.

وهنا تبرز أولى علامات الاستفهام.

في عام 2023، حصلت المؤسسة على ميزانية استثنائية تجاوزت 52 مليار دينار، وقيل حينها إن هذه المخصصات ستقود إلى زيادة الإنتاج، وتأهيل الحقول، وحل مشكلات الصيانة، وتنفيذ مشاريع التطوير المؤجلة!

اليوم، وبعد مرور عدة سنوات، من حق الليبيين أن يتساءلوا..

ماذا تحقق من تلك الميزانية؟

كم مشروعًا أُنجز؟

كم بئرًا دخلت الخدمة؟

كم حقلًا أُعيد تأهيله؟

وكم ارتفع الإنتاج بصورة مستدامة نتيجة لذلك الإنفاق؟

هذه ليست أسئلة تشكيك، بل هي أبسط معايير تقييم الأداء في أي مؤسسة تدير أهم مورد اقتصادي للدولة.

المشكلة ليست في الميزانية فقط

الحديث عن ميزانية جديدة قد يمنح دفعة من التفاؤل، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم:

ما الذي تغيّر داخل القطاع النفطي الليبي ؟

إذا كانت الإدارة التنفيذية في المؤسسة وفي عدد من الشركات الكبرى هي ذاتها إلى حد كبير، وإذا كانت آليات اتخاذ القرار لم تتغير جذريًا، وإذا بقيت الإجراءات الإدارية والبيروقراطية كما هي، فما الذي سيقود إلى نتائج مختلفة؟

فالنتائج في الإدارة لا تتغير بمجرد زيادة الإنفاق، وإنما تتغير عندما تتغير طريقة الإدارة نفسها.

هل المشكلة في الأشخاص أم في المنظومة؟

هذا هو السؤال الذي يتكرر في كل مناسبة.

والإجابة ليست بسيطة.

فليس من العدل تحميل أشخاص بعينهم كل المسؤولية، كما أنه ليس من المنطقي إعفاء الإدارة الحالية والسابقة من مسؤولية النتائج.

الحقيقة أن قطاع النفط الليبي يعمل داخل بيئة معقدة؛ فقد عانى خلال السنوات الماضية من الانقسام السياسي، وإغلاقات الحقول، وتأخر اعتماد الميزانيات، وتداخل الصلاحيات، وعدم الاستقرار الأمني، وهي عوامل أرهقت القطاع وأعاقت تنفيذ كثير من المشاريع.

لكن هذه التحديات لا تفسر كل شيء.

فالإدارة الناجحة تُقاس بقدرتها على إدارة الأزمات، وترتيب الأولويات، واستثمار الموارد المتاحة بأفضل صورة، وتحويل الميزانيات إلى مشاريع، والمشاريع إلى إنتاج.

أما إذا ظل الأداء الإداري على حاله، فإن زيادة الأموال قد تعني ببساطة زيادة الإنفاق، لا زيادة الإنتاج.

أين الشفافية؟

إذا كانت الدولة تطلب من المواطنين التفاؤل بخطة الوصول إلى مليوني برميل يوميًا، فمن حق المواطنين أيضًا أن يطلعوا على خطة التنفيذ.

نحتاج إلى إجابات واضحة، لا إلى شعارات.

ما حجم الاستثمارات المطلوبة؟

ما المشروعات ذات الأولوية؟

ما الجدول الزمني لكل مشروع؟

ما نسبة الإنجاز الحالية؟

ومن المسؤول عن كل مرحلة؟

والأهم من ذلك كله:

كيف سيُقاس النجاح؟

فالشفافية ليست ترفًا إداريًا، بل هي الضمانة الوحيدة لبناء الثقة بين المؤسسات والرأي العام.

المستثمر لا يشتري الوعود

العالم اليوم لا ينظر إلى التصريحات، بل إلى المؤشرات.

الشركات العالمية لا تستثمر لأن هناك ميزانية، وإنما لأنها ترى استقرارًا في القرارات، وسرعة في الإجراءات، ووضوحًا في العقود، ومؤسسات قادرة على تنفيذ ما تعلن عنه.

لذلك، فإن نجاح خطة الوصول إلى مليوني برميل لن يقاس بحجم الأموال المخصصة، بل بسرعة تنفيذ المشاريع، واستقرار الإنتاج، وتحسن كفاءة التشغيل، وقدرة القطاع على جذب استثمارات جديدة.

ما نستخلصه مما تقدم الاتي ؛-

ليبيا تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لزيادة إنتاجها النفطي؛ احتياطيات ضخمة، وتكاليف إنتاج منخفضة، وموقعًا استراتيجيًا، وخبرة تراكمت عبر عقود.

لكن هذه المقومات وحدها لا تكفي.

لقد أثبتت التجارب أن الميزانيات تصنع الفرص، أما الإدارة فهي التي تصنع النتائج.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل لدينا المال؟

ولا حتى: هل نستطيع الوصول إلى مليوني برميل يوميًا؟

بل السؤال الذي يجب أن يسبق كل ذلك هو:

هل تعلمنا من تجربة 2023؟ وهل تغيرت الإدارة وآليات التنفيذ والمساءلة بما يكفي حتى لا نكرر الأخطاء نفسها؟

فإذا كانت الإجابة نعم، فإن الهدف يصبح واقعيًا.

أما إذا بقيت الأدوات كما هي، فإن الأرقام ستظل تتغير في البيانات الصحفية والإعلامية، بينما يبقى الواقع أقل بكثير .

“الشلوي”: بين الإنفاق والاستثمار.. لماذا تختلف ميزانية المؤسسة الوطنية للنفط عن بقية ميزانيات الدولة؟

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف محمود الشلوي”

في كل مرة يُثار فيها الحديث عن الميزانيات العامة في ليبيا، تتجه الأنظار إلى أرقام الإنفاق وحجم الاعتمادات المخصصة للقطاعات المختلفة، ويحتدم النقاش حول أولويات الصرف، ومدى عدالته، وشفافيته، وجدواه. وهو نقاش مشروع وصحي في أي دولة تسعى إلى ترسيخ مبادئ الحوكمة والمساءلة.

غير أن هذا النقاش، على أهميته، يخلط أحياناً بين نوعين مختلفين تماماً من الإنفاق؛ الأول هو الإنفاق الحكومي الذي يهدف إلى تقديم الخدمات العامة، والثاني هو الإنفاق الاستثماري والتشغيلي الذي يهدف إلى إنتاج الثروة نفسها.

وهنا تكمن خصوصية المؤسسة الوطنية للنفط.

فميزانية المؤسسة الوطنية للنفط ليست مجرد بند مالي يضاف إلى بقية أبواب الإنفاق العام، بل تمثل في حقيقتها الاستثمار الذي يُمكّن الدولة من توليد معظم إيراداتها. ولذلك فإن النظر إليها بالمنظار ذاته الذي تُنظر به إلى ميزانيات الجهات الحكومية الأخرى قد يقود إلى استنتاجات غير دقيقة، بل وربما إلى قرارات تكون كلفتها الاقتصادية أكبر بكثير من حجم الوفر المالي الذي يُعتقد أنه تحقق.

اقتصاد ريعي .. ومحركه النفط

لا تزال ليبيا تُصنف ضمن الاقتصادات الريعية، إذ يعتمد اقتصادها بصورة رئيسية على النفط والغاز، اللذين يشكلان النسبة الساحقة من الصادرات، ويؤمنان أكثر من 90% من الإيرادات العامة للدولة، كما يمثلان المصدر الأساسي للنقد الأجنبي الذي تعتمد عليه البلاد في تمويل الواردات، والمحافظة على احتياطياتها، واستقرار سعر صرف عملتها.

وبالتالي فإن أي خلل يصيب القطاع النفطي لا يقتصر أثره على المؤسسة الوطنية للنفط أو الشركات التابعة لها، بل يمتد مباشرة إلى المالية العامة، والقطاع المصرفي، وسوق النقد، والكهرباء، والدعم، والخدمات، والمرتبات، والاستثمار، بل وحتى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ومن هنا، فإن تمويل هذا القطاع لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره إنفاقاً على مؤسسة، وإنما باعتباره استثماراً في استدامة الاقتصاد الوطني بأكمله.

ليست ميزانية استهلاكية .. بل ميزانية إنتاج

من المهم أن يميز الرأي العام بين نوعين من الإنفاق.

فهناك إنفاق استهلاكي لا ينتج دخلاً مباشراً للدولة، بينما توجد ميزانيات تشغيلية ورأسمالية تؤدي إلى إنتاج النفط والغاز اللذين تعتمد عليهما الدولة في تمويل جميع التزاماتها.

فالميزانية التشغيلية للمؤسسة الوطنية للنفط تمول أعمال التشغيل اليومية، وصيانة الحقول، والمحطات، وخطوط الأنابيب، والموانئ، وأنظمة التحكم، والسلامة الصناعية، والمختبرات، وأجور شركات الخدمات، وقطع الغيار، والمواد الكيميائية، والنقل البحري والجوي، وغيرها من الأنشطة التي تضمن استمرار الإنتاج دون انقطاع.

أما الميزانية الاستثمارية (الرأسمالية)، فهي تمثل الاستثمار الحقيقي في المستقبل؛ إذ تمول تطوير الحقول، وحفر الآبار الجديدة، وإنشاء خطوط الأنابيب، وتوسعة مرافق الإنتاج، ومشروعات الغاز، والبنية التحتية، وبرامج تقليل حرق الغاز، ومشروعات التحول الرقمي، ورفع كفاءة العمليات، بما يضمن المحافظة على الطاقة الإنتاجية الحالية وزيادتها مستقبلاً.

بعبارة أخرى، فإن هذه الميزانيات لا تُستهلك، وإنما تتحول إلى أصول إنتاجية تدر إيرادات لعقود قادمة.

التأخير .. ليس أقل خطورة من الحجب

يعتقد البعض أن المشكلة تبدأ فقط عندما لا تعتمد الميزانية، بينما الواقع أكثر تعقيداً.

ففي صناعة النفط والغاز، يُعد الوقت عنصراً اقتصادياً بحد ذاته.

إن تأخر اعتماد الميزانيات، حتى وإن كان مؤقتاً أو مبرراً بإجراءات مالية أو قانونية، قد يؤدي إلى تأجيل برامج الصيانة الوقائية، وتأخير توريد المعدات وقطع الغيار، وإرجاء أعمال الحفر والتطوير، وإعادة جدولة العقود، وارتفاع تكاليف التنفيذ نتيجة تغير الأسعار العالمية، فضلاً عن فقدان بعض الفرص الاستثمارية التي لا تنتظر المترددين.

وفي كثير من الحالات، تكون تكلفة التأخير أكبر من قيمة الاعتماد نفسه، لأن إعادة تشغيل المشاريع أو تعويض التراجع في الإنتاج تتطلب استثمارات إضافية، ووقتاً أطول، وجهداً أكبر.

ولهذا فإن الدول النفطية المتقدمة لا تتعامل مع تمويل قطاعها النفطي باعتباره ملفاً مالياً فقط، بل باعتباره ملفاً استراتيجياً يرتبط بالأمن الاقتصادي للدولة.

النفط لا ينتظر أحداً

العالم اليوم يشهد منافسة غير مسبوقة على أسواق الطاقة.

فهناك دول توسع طاقاتها الإنتاجية، وأخرى تطور بنيتها التحتية، وثالثة تستثمر مليارات الدولارات في الغاز الطبيعي، والبتروكيماويات، والطاقة منخفضة الانبعاثات، وتقنيات الاستخلاص المعزز، والتحول الرقمي.

وفي المقابل، تمتلك ليبيا ميزات تنافسية يصعب تعويضها؛ احتياطيات ضخمة، ونفط عالي الجودة، وغازاً قريباً من الأسواق الأوروبية، وموقعاً جغرافياً استثنائياً، وبنية تحتية قابلة للتطوير، وخبرات وطنية متراكمة.

لكن هذه المزايا وحدها لا تكفي.

فأي فرصة لا تُستثمر في وقتها قد تتحول إلى فرصة لدولة أخرى أكثر جاهزية، وأكثر سرعة في اتخاذ القرار.

ولهذا فإن استقرار التمويل يمثل أحد أهم عناصر المحافظة على القدرة التنافسية للقطاع النفطي الليبي.

تجارب الدول المنتجة .. الدرس المشترك

عند النظر إلى تجارب الدول النفطية الرائدة، نجد أن الحكومات تنظر إلى شركاتها الوطنية باعتبارها محركات للنمو الاقتصادي.

فالشركات الوطنية الكبرى، مثل أرامكو السعودية، وأدنوك الإماراتية، وقطر للطاقة، وسوناطراك الجزائرية، وإكوينور النرويجية، وبتروبراس البرازيلية، تحظى ببرامج تمويل مستقرة تتيح لها تنفيذ خططها التشغيلية والاستثمارية وفق جداول زمنية واضحة، لأن هذه الدول تدرك أن كل دولار يُستثمر في تطوير القطاع يمكن أن يعود بأضعافه على الاقتصاد الوطني.

ولا يعني ذلك غياب الرقابة، بل على العكس، فإن تلك الشركات تخضع لمنظومات صارمة من الحوكمة والإفصاح والتدقيق والمراجعة، وهو ما يحقق التوازن بين سرعة الإنجاز وحماية المال العام.

الشفافية والحوكمة .. وجهان لا ينفصلان عن التمويل.

إن المطالبة بتوفير التمويل اللازم لقطاع النفط لا تعني بأي حال المطالبة بفتح أبواب الإنفاق دون ضوابط.

فالتمويل الرشيد يجب أن يقترن دائماً بالشفافية، والإفصاح، والحوكمة، والرقابة، وإدارة المخاطر، والمراجعة المستقلة، والامتثال للقوانين واللوائح النافذة.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما شهدته المؤسسة الوطنية للنفط خلال السنوات الأخيرة من تطور ملحوظ في مستوى الإفصاح المؤسسي؛ إذ أصبحت تصدر تقارير شهرية ودورية عن الإنتاج والإيرادات والأنشطة، إلى جانب بيانات توضيحية عند الحاجة، وهو نهج عزز ثقة المتابعين، ورسخ ثقافة التواصل مع الرأي العام، ووضع المؤسسة في موقع متقدم مقارنة بالعديد من المؤسسات العامة في ليبيا.

ولا يعني ذلك أن مسيرة التطوير قد اكتملت، فالحوكمة عملية مستمرة، لكن من الإنصاف الإقرار بما تحقق والبناء عليه.

مسؤولية جماعية .. لا مسؤولية مؤسسة وحدها

قد يظن البعض أن الدفاع عن استقرار تمويل قطاع النفط هو شأن يخص المؤسسة الوطنية للنفط وحدها، بينما الحقيقة أنه مسؤولية وطنية مشتركة.

فالدولة مطالبة بتوفير البيئة التشريعية والمالية المناسبة، والجهات الرقابية مطالبة بضمان سلامة الإنفاق، والمؤسسة مطالبة بمواصلة تطوير الأداء والشفافية، أما الرأي العام فهو مطالب أيضاً بفهم طبيعة هذا القطاع وعدم التعامل معه بمنطق المقارنات التقليدية مع بقية الجهات العامة.

فميزانية قطاع النفط ليست امتيازاً لمؤسسة، وإنما هي استثمار في استمرار المورد الذي يمول الدولة بأكملها.

كلمة أخيرة

إن السؤال الحقيقي ليس : كم تنفق الدولة على المؤسسة الوطنية للنفط؟

بل ينبغي أن يكون : كم ستخسر الدولة إذا لم توفر للمؤسسة التمويل التشغيلي والاستثماري في الوقت المناسب؟

فالنفط والغاز ليسا مجرد سلعتين للتصدير، بل هما العمود الفقري للاقتصاد الليبي، وأساس الاستقرار المالي، والمصدر الرئيس للنقد الأجنبي، والرافعة التي تعتمد عليها الموازنة العامة، والخدمات، والمرتبات، والتنمية، والأمن الاقتصادي.

ومن هنا، فإن الميزانيات التشغيلية والرأسمالية للمؤسسة الوطنية للنفط ينبغي أن تُفهم باعتبارها استثماراً وطنياً عالي العائد، لا بنداً من بنود الإنفاق الحكومي التقليدي.

وعندما يدرك الرأي العام هذه الحقيقة، سيصبح أكثر قدرة على التمييز بين الإنفاق الذي يستهلك الموارد، والإنفاق الذي يصنعها، وبين المصروف الذي ينتهي أثره بانتهاء السنة المالية، والاستثمار الذي يحافظ على مصدر رزق الدولة لعقود مقبلة.

وفي النهاية، فإن حماية قطاع النفط والغاز ليست مسؤولية مؤسسة بعينها، بل مسؤولية دولة ومجتمع، لأن قوة هذا القطاع تعني قوة الاقتصاد، واستقراره يعني استقرار ليبيا، وأي تعثر فيه ــ ولو كان ناجماً عن تأخير في التمويل ــ لن ينعكس على الحقول والمنشآت فحسب، بل سيمتد أثره إلى كل بيت ليبي، وكل مؤسسة، وكل مشروع تنموي، وكل مواطن ينتظر مستقبلاً أكثر استقراراً وازدهاراً.