Skip to main content

الكاتب: A

خاص.. محكمة استئناف طرابلس تبرئ “عماد بن رجب” مدير إدارة التسويق الدولي بالمؤسسة الوطنية للنفط في قضية البنزين المغشوش

تحصلت صحيفة صدى الاقتصادية على حكم محكمة استئناف طرابلس دائرة الجنايات اليوم الخميس والذي يقضي ببراءة “عماد بن رجب” مدير ادارة التسويق الدولي بالمؤسسة الوطنية للنفط.

وذلك على خلفية قضية البنزين المغشوش.

“الشلوي”: حين تتحول الثروة إلى عبء اقتصادي: قراءة تكنوقراطية في مسار دعم المحروقات في ليبيا لقرابة خمسة عقود

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

على مدى ثمانية وأربعين عامًا تقريبًا، شكّل دعم المحروقات في ليبيا أحد أكبر بنود الإنفاق العام وأكثرها تأثيرًا على البنية الاقتصادية والنقدية للدولة.

فمنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي وحتى هذا العام، تجاوز إجمالي الإنفاق العام الليبي حاجز التريليون دولار، ذهب ما يقارب ربع هذا الإنفاق مباشرة إلى دعم المحروقات وحده، بقيمة تقديرية تجاوزت 250 مليار دولار.

هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن سياسة دعم اجتماعي، بل تكشف عن مسار اقتصادي كامل أُعيدت فيه صياغة العلاقة بين الدولة والثروة النفطية، وبين الاقتصاد والإنتاج والاستهلاك.

فعندما تنفق دولة نفطية ما متوسطه 5.2 مليار دولار سنويًا على دعم الوقود على مدى يقارب نصف قرن، بينما لا يتجاوز متوسط الإنفاق العام السنوي 20.8 مليار دولار، فهذا يعني أن بندًا واحدًا فقط استحوذ على نحو 25% من إجمالي الإنفاق العام للدولة طوال تلك الفترة.

لكن المؤشر الأخطر لا يتعلق بحجم الدعم نفسه، بل بالعائد الحقيقي منه، إذ تشير التقديرات إلى أن ما عاد فعليًا إلى الخزانة العامة من بيع المحروقات المدعومة لم يتجاوز 5 مليارات دولار فقط، أي أن الدولة لم تسترد سوى نحو 2% من الأموال التي أنفقتها على هذا الملف، بينما بلغ صافي الفاقد المالي حوالي 245 مليار دولار، بنسبة فاقد تُقدّر بـ98%.

وبلغة الاقتصاد، فإن ذلك يعني أن كل 100 دولار أُنفقت على دعم المحروقات، عاد منها أقل من دولارين فقط إلى خزينة الدولة، بينما تبخر الباقي بين الاستهلاك المفرط، والتهريب، والاقتصاد الموازي، وضعف كفاءة إدارة الموارد.

لقد وفّر الدعم استقرارًا اجتماعيًا نسبيًا في بعض المراحل، لكنه في المقابل خلق نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على الاستهلاك لا الإنتاج، فبدل توجيه جزء معتبر من تلك الموارد إلى بناء قطاعات استراتيجية، جرى استنزافها في دعم منخفض العائد الاقتصادي والتنموي.

ولو أُعيد توظيف جزء كبير من صافي الفاقد البالغ 245 مليار دولار في استثمارات إنتاجية، لكان بالإمكان إحداث تحول جذري في بنية الاقتصاد الليبي، فهذه الأموال كانت كفيلة ببناء منظومات كهرباء مستقرة تقلل الانقطاعات وترفع كفاءة الطاقة، وإنشاء قاعدة صناعية حقيقية، وتطوير القطاع الزراعي لتقليص فاتورة الغذاء المستورد، إضافة إلى بناء بنية تحتية حديثة وصندوق سيادي يحمي حقوق الأجيال القادمة.

بل إن جزءًا بسيطًا من تلك المبالغ كان كافيًا لإعادة هيكلة قطاعي التعليم والصحة ورفع جودة رأس المال البشري، وهو الاستثمار الأهم لأي دولة تسعى لبناء اقتصاد مستدام.

ومن الناحية النقدية، لا يمكن فصل تراجع القوة الحقيقية للدينار الليبي عن السياسات طويلة الأجل المرتبطة بالدعم، فبيع المحروقات محليًا بأسعار رمزية أدى إلى تشويه الأسعار الحقيقية داخل الاقتصاد، ورفع معدلات الاستهلاك والاستيراد، وبالتالي زيادة الطلب على الدولار.

ومع توسع السوق الموازية وعمليات تهريب الوقود، بدأت تظهر فجوة متزايدة بين السعر الرسمي للدينار وقيمته الحقيقية في السوق، ولذلك، بدا الدينار الليبي قويًا على الورق بفعل التدخلات الإدارية، لكنه فقد تدريجيًا جزءًا مهمًا من قوته الشرائية الفعلية، مع ارتفاع الأسعار وتنامي الطلب على الدولار والذهب والعقار كملاذات بديلة.

أما فيما يتعلق بالتضخم، فإن المفارقة الاقتصادية تكمن في أن الدعم، رغم مساهمته الظاهرية في تخفيض أسعار الوقود، ساهم على المدى الطويل في خلق تضخم غير مباشر ومتراكم. ذلك لأن الاقتصاد الذي يعتمد على الاستيراد والاستهلاك الممول من الإنفاق العام، دون إنتاج محلي حقيقي، يصبح أكثر عرضة لعجز الميزانية والتوسع النقدي وضعف العملة.

وبالتالي، فإن الدعم لم يُلغِ التضخم بقدر ما أخفاه مؤقتًا، بينما استمرت أسبابه الحقيقية بالتراكم داخل الاقتصاد الليبي عامًا بعد عام.

المشكلة اليوم ليست في فكرة الدعم من حيث المبدأ، فالدولة مسؤولة عن حماية الفئات الضعيفة وتحقيق التوازن الاجتماعي، لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في شكل الدعم وآلية إدارته، فالدعم الشامل غير الموجّه أثبت أنه يستنزف الثروة الوطنية أكثر مما يبني اقتصادًا منتجًا.

ولهذا، فإن الإصلاح المطلوب لا ينبغي أن يكون مجرد رفع للأسعار أو نقل العبء إلى المواطن، بل إعادة صياغة السياسة الاقتصادية بالكامل: دعم ذكي يصل مباشرة إلى مستحقيه، مقابل وقف الهدر، ومحاربة التهريب، وتوجيه الموارد نحو الاستثمار والإنتاج.

لقد أثبتت تجربة العقود الأربعة الماضية أن الثروة النفطية وحدها لا تصنع اقتصادًا قويًا، وأن الإنفاق الكبير لا يعني بالضرورة تنمية حقيقية، فالدول تُقاس بكفاءة إدارة مواردها، لا بحجم تلك الموارد فقط.

واليوم، تقف ليبيا أمام خيار تاريخي: إما الاستمرار في نموذج اقتصادي يستهلك الثروة تدريجيًا، أو الانتقال إلى نموذج تنموي جديد يحول الإيرادات النفطية من أداة استهلاك إلى محرك إنتاج واستقرار طويل الأجل.

فالدعم قد يمنح هدوءًا اجتماعيًا مؤقتًا، لكن الاقتصاد القوي وحده هو من يمنح الدولة استقرارها الحقيقي وسيادتها المالية في المستقبل.

خاص.. المركزي: تنفيذ مرتبات شهر مايو اليوم لكل القطاعات عن طريق راتبك لحظي والحوافظ

أكد مصرف ليبيا المركزي حصرياً لصدى الاقتصادية بأنه سيتم تنفيذ مرتبات شهر مايو اليوم الاربعاء لكل القطاعات على الباب الاول والثاني والرابع .

وذلك عن طريق منظومة راتبك لحظي والحوافظ لتمكين المواطنين من الاستفادة من مرتباتهم قبل عيد الأضحى المبارك .

خاص.. تعليقاً على إيقاف الاستيراد والتصدير من خارج المصارف.. وزير الاقتصاد لصدى: أولويتنا تنظيم السوق والمركزي أنجز الجزء الأصعب ونعمل على خفض الأسعار وانتظام التوريد تمهيداً لعرض القرار على مجلس الوزراء لضمان نجاحه

صرح وزير الاقتصاد “سهيل أبوشيحة” حصرياً لصحيفة صدى الاقتصادية بشأن إيقاف الاستيراد والتصدير من خارج العمليات المصرفية المعتمدة.

أكد الوزير على وجود تنسيق غير مسبوق بين الحكومة ومصرف ليبيا المركزي في إدارة الملف الاقتصادي على مستوى السياسات الاقتصادية الكلية، ووزارة الاقتصاد والتجارة خاصة في ملف التجارة الخارجية وتنظيم السوق، ضمن توجه حكومي موحد يهدف إلى ضبط المالية العامة على مستوى البلاد، وتنظيم استخدام النقد الأجنبي، وتعزيز استقرار السوق.

وأضاف الوزير: ومع إنهاء التمويل بالعجز واعتماد إنفاق مالي موحد، أصبحت أولوية الدولة اليوم هي تنظيم السوق وحماية الاقتصاد الوطني من التشوهات والممارسات غير المنظمة التي أرهقت السوق ومعيشة المواطن.

وأردف الوزير: وقد أنجز مصرف ليبيا المركزي الجزء الأصعب عبر إجراءات نقدية مختلفة وابتكار سياسات نقدية غير مسبوقة، فيما تعمل وزارة الاقتصاد والتجارة على انعكاسها بأسرع وقت في مستويات الأسعار من خلال الاستدامة وتنافسية السوق واستقرار سلاسل التوريد، تمهيدًا لعرض الإجراءات التكاملية اللازمة لضمان نجاح القرار خلال اجتماع مجلس الوزراء القادم.

خاص.. المركزي لصدى: ضخ 3 مليارات دولار خلال مايو و3.5 مليارات مرتقبة في يونيو

أكد مصرف ليبيا المركزي حصرياً لصحيفة صدى الاقتصادية أن إجمالي ما تم ضخه مع نهاية هذا الأسبوع لشهر مايو بلغ 3 مليارات دولار، بما يعادل 19 مليارات دينار، موزعة بين مليار دولار للأغراض الشخصية والبطاقات والنقدي، وملياري دولار للاعتمادات والحوالات.

وأضاف المركزي أنه بعد عطلة العيد، سيبلغ حجم الضخ والبيع للمصارف خلال شهر يونيو 3.5 مليارات دولار، بما يعادل 23 مليار دينار، سيخصص منها مليار دولار للحوالات المباشرة لصغار التجار وغيرهم، ومليار دولار للأغراض الشخصية، و1.5 مليار دولار للاعتمادات الخاصة بكافة السلع.

وأوضح المركزي أن هذه الإجراءات تأتي بهدف احتواء الطلب المتراكم وتحقيق استقرار السوق، سواء من حيث أسعار العملة أو أسعار السلع.

خاص.. فساد “سراج بن عامر” يهز الكلينيكا.. وثائق تكشف إفراغ المصحة من أصولها وكوادرها وتهديد موظفيه بمسلحين وتضخيم بند الأدوية إلى 7 مليون وتمكين أجنبية بمنصب وشراء سيارة لها بأكثر من 30 ألف دولار

تحصلت صحيفة صدى الاقتصادية حصرياً على الجزء الأول من ملف فساد مدير عام مصحة النفط “الكلينيكا” سراج بن عامر يتعلق بأعمال الصيانة والتصرف في أصول مصحة النفط ، والتي يُزعم أنها تمت بطرق غير قانونية وغير مهنية، مما أدى إلى إهدار للمال العام وتدهور في جودة الخدمات مع مطالبات بإقالة بن عامر والتحقيق معه

وأوضحت الملفات التوسع في الصرف بالعملة الأجنبية، وشراء سيارات بأسعار مرتفعة بالدولار، واحتكار المنظومة المالية وحجبها عن موظفي الرقابة، مع تضخم ميزانية لجنة شراء الأدوية لتتجاوز 7 ملايين دينار ليبي خلال عام 2024 بطرق مشبوهة للالتفاف على لجان العطاءات، وتنفيذ أعمال صيانة مبانٍ بعهد مالية “استعاضة” وبدون مقايسات أو عطاءات رسمية، في خرق صريح للائحة العقود الإدارية

كذلك قام بن عامر بأموال المصحة شراء سيارة لشقيقيته واعطاءها بدل مركوب بالمخالفة مع ادراج أقاربه في دورات التدريب وحرمان أصحاب الحقوق

واستعان أيضاً بتشكيلات مسلحة (خارجة عن القانون) لترهيب الموظفين والأطباء المعارضين لسياسات الإدارة، وتهديدهم بالطرد والمنع من دخول المرفق الطبي، وشن حملات ضغط نفسي وتعديات لفظية وجسدية وثقتها محاضر مراكز الشرطة والنيابة العامة .

وقام بإساءة واضحة في استعمال السلطة عبر تكليف مستخدمين حديثي التخرج وغير مؤهلين في مناصب قيادية وإشرافية بناءً على الولاء الشخصي، من بينهم تكليف ممرضة أجنبية بإدارة التمريض وشراء سيارة لها بالعملة الصعبة بقيمة تتعدى 30 ألف دولار بالمخالفة .

كما ثبت تورطه في تمكين ممرضة أجنبية في منصب قيادي وشراء سيارة حديثة لها بقيمة تتعدى 30 ألف دولار ، بالمخالفة لمنشور رئيس مجلس الوزراء رقم 6 لسنة 2022 في الفقرة 4 والتي تنص على وقف شراء السيارات لجميع المسؤولين والموظفين بالوزارات والجهات العامة.

وتحصلت صدى كذلك على مستندات تثبت عروض وهمية لشراء وتوريد أشجار حدائق وعشب صناعية ومضخات للمصحة بقيمة تتعدى 53 ألف دينار .

الشلوي: بين شفافية الأرقام وضغط الالتزامات..هل يقترب قطاع النفط الليبي من لحظة التحول الكبرى؟

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

في الدول التي تُدار فيها الثروات بكفاءة، لا تُقرأ الأرقام بوصفها بيانات جامدة، بل باعتبارها مؤشرات سيادية تكشف اتجاه الاقتصاد، وحالة الدولة، ومستوى قدرتها على التخطيط والاستمرار، ومن هذا المنطلق، تواصل المؤسسة الوطنية للنفط ترسيخ نهجٍ يُحسب لها وطنياً ومؤسسياً، يتمثل في الإفصاح الدوري والشفاف عن حركة توريد وتوزيع المنتجات النفطية، في خطوة تعزز ثقة المتابعين وتضع الرأي العام أمام الحقائق كما هي، بعيداً عن الضبابية أو التقديرات غير الدقيقة.

البيانات الخاصة بشهر أبريل 2026 جاءت هذه المرة أكثر أهمية، ليس فقط لأنها توضح تفاصيل الكميات المستلمة والموزعة من البنزين والديزل والغاز المسال والكيروسين والزيت الثقيل، وإنما لأنها تتزامن مع مرحلة مفصلية يعيشها قطاع النفط الليبي، عنوانها الأبرز: التوازن الصعب بين استمرار التشغيل وتزايد الالتزامات المالية.

فخلال شهر أبريل وحده، تجاوز إجمالي توزيع المنتجات النفطية في السوق المحلي 1.18 مليون طن متري، منها أكثر من 537 ألف طن من وقود الديزل، وقرابة نصف مليون طن من البنزين، وهي أرقام تعكس حجم الطلب المحلي المتنامي، خصوصاً في ظل اعتماد قطاعات الكهرباء والنقل والصناعة بشكل شبه كامل على المحروقات التقليدية.

لكن القراءة الاقتصادية الأعمق لهذه الأرقام تكشف حقيقة أكثر تعقيداً :
كل طن يتم توزيعه محلياً لا يمثل فقط خدمة للسوق، بل يحمل خلفه تكلفة مالية ضخمة، وسلسلة طويلة من الالتزامات التشغيلية والتعاقدية التي تحتاج إلى تمويل مستمر ومنتظم.

الشفافية تكشف الواقع.. لا تجمله

من اللافت أن المؤسسة الوطنية للنفط لم تكتفِ بعرض الكميات الموردة فقط، بل أوضحت كذلك تفاصيل الشحنات المبرمجة، والأرصدة المتبقية، والجهات المستفيدة من الوقود، سواء شركات التوزيع أو محطات الكهرباء أو القطاعات الصناعية.

وهذه الدرجة من الإفصاح لا ينبغي التقليل من أهميتها، لأنها تنقل النقاش العام من دائرة الانطباعات إلى دائرة الوقائع والأرقام.

فعندما نرى أن محطات الكهرباء وحدها استهلكت أكثر من 314 ألف طن من الديزل خلال شهر واحد، ندرك مباشرة حجم الضغط الواقع على منظومة الإمداد، كما نفهم لماذا تستمر فاتورة الدعم والإنفاق التشغيلي في التصاعد.

اجتماع “الميزانية والالتزامات” ..
الرسالة الأهم خلف الكواليس ..

في هذا السياق تحديداً، يكتسب الاجتماع الأخير بين رئيس ديوان المحاسبة ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط أهمية استثنائية، لأنه للمرة الأولى يتم الحديث بهذا الوضوح عن أزمة ميزانية قطاع النفط، وتأثير تأخر تسييل المخصصات المالية على استقرار عمليات الإنتاج والتشغيل.

الرسالة الأهم في هذا الاجتماع ليست إدارية فقط، بل اقتصادية وسيادية أيضاً :

لا يمكن المطالبة بزيادة الإنتاج واستقرار الإمدادات واستمرار المشروعات الاستراتيجية، في وقت يعاني فيه القطاع من تراكم الالتزامات وتأخر التمويل.

فالنفط ليس قطاعاً يعمل بردود الأفعال أو الحلول المؤقتة، بل منظومة معقدة تحتاج إلى :

أ/ تدفقات مالية مستقرة
ب/ خطط إنفاق واضحة
ج/ قدرة على الوفاء بالعقود
د/ صيانة مستمرة للبنية التحتية

من هنا يمكن فهم الربط المباشر الذي جرى خلال الاجتماع بين تسييل الميزانيات وبين الحفاظ على معدلات الإنتاج وخطط التوسع المستقبلية.

الأمر الأكثر إيجابية أن الاجتماع لم يتوقف عند تشخيص المشكلة، بل ناقش آليات تسوية الالتزامات المالية المتراكمة، وهي خطوة ضرورية لإعادة الانضباط المالي وتحسين كفاءة الإنفاق داخل القطاع.

الإيرادات ترتفع ..
لكن التحديات أكبر ..

صحيح أن المؤشرات الأولية تُظهر نمواً في الإيرادات النفطية خلال شهري أبريل ومايو، لكن هذا التحسن وحده لا يكفي للحكم على سلامة الوضع الاقتصادي للقطاع.

فالقطاع النفطي الليبي لا يواجه فقط تحدي الإيرادات ، بل يواجه كذلك :
أ/ ارتفاع كلفة الاستيراد
ب/ تضخم فاتورة الدعم
ج/ تآكل البنية التحتية
د/ الحاجة إلى تطوير المصافي
ه/ وضغوط الطلب المحلي المتزايد

ولهذا فإن أي زيادة في الإيرادات يجب أن تُستثمر بحكمة، لا أن تتحول إلى مجرد معالجة مؤقتة للعجز المرحلي.

رأس لانوف ..
عودة المصفاة التي قد تغيّر المعادلة ..

من بين أهم الملفات التي يمكن أن تُحدث تحولاً حقيقياً في السنوات القادمة، يأتي ملف المصافي ، وعلى رأسها مصفاة رأس لانوف، التي استعادت ليبيا السيطرة الكاملة عليها بعد نجاح عملية التخارج مع الشريك الأجنبي، عقب توقف دام قرابة 13 عاماً.

هذه العودة ليست مجرد استعادة لأصل صناعي، بل استعادة لجزء مهم من السيادة الاقتصادية ..

فإذا نجحت الدولة في إعادة تأهيل رأس لانوف وتشغيلها بكفاءة، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام :
أ/ تخفيض الاعتماد على استيراد الوقود
ب/ تقليص الضغط على النقد الأجنبي
ج/ رفع القيمة المضافة للنفط الخام
د/ تعزيز الأمن الطاقي الوطني

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعادة التشغيل فقط، بل في تبني رؤية جديدة لقطاع التكرير بالكامل ، تقوم على التحديث والتوسع وربط المصافي بالصناعات البتروكيميائية.

هل حان وقت مراجعة فلسفة الدعم؟

البيانات المنشورة تفرض سؤالاً بالغ الحساسية لكنه لم يعد قابلاً للتأجيل :
إلى متى يمكن الاستمرار في نموذج الدعم الحالي؟

فعندما تُستهلك هذه الكميات الضخمة شهرياً بأسعار مدعومة، في ظل وجود تهريب وهدر واستهلاك غير رشيد، فإن جزءاً كبيراً من الدعم يتحول عملياً إلى عبء اقتصادي يستنزف الدولة بدل أن يحقق العدالة الاجتماعية.

الحل هنا لا يكمن في رفع الدعم بشكل صادم، بل في إعادة هندسته تدريجياً :
أ/ دعم المواطن بدلاً من دعم السلعة
ب/ بناء منظومات رقمية للتوزيع
ج/ ضبط التهريب
د/ تحسين كفاءة الاستهلاك

هذه الإصلاحات لن تكون سهلة سياسياً أو اجتماعياً، لكنها أصبحت ضرورة اقتصادية لا يمكن تجاهلها

ماذا نتوقع حتى نهاية 2026؟

إذا استمرت الأوضاع الحالية دون إصلاحات هيكلية، فمن المرجح استمرار الاعتماد الكبير على استيراد البنزين والديزل حتى نهاية العام الجاري، مع بقاء الضغوط على الشبكة الكهربائية والقطاع الخدمي.

أما السيناريو الأكثر تفاؤلاً ، فيرتبط بعدة عوامل :
1/ تسريع تمويل ميزانية القطاع
2/ دخول مشاريع استراتيجية جديدة حيز التنفيذ
3/ تحسن أداء المصافي
4/ ضبط التهريب
5/ تطوير منظومة التوزيع

في حال تحقق ذلك، فقد يشهد عام 2027 بداية انتقال تدريجي نحو قطاع أكثر استقراراً وقدرة على تغطية جزء أكبر من الطلب محلياً

الخلاصة

ما يحدث اليوم داخل قطاع النفط الليبي يتجاوز كونه ملف تشغيل أو أرقام إنتاج واستهلاك، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة أهم مورد سيادي لديها بعقلية حديثة وشفافة

وإذا كانت بيانات أبريل 2026 قد كشفت حجم الاستهلاك والتحديات، فإن الاجتماع الأخير بشأن ميزانية القطاع كشف في المقابل حقيقة أكثر أهمية :
أن استمرار النجاح التشغيلي للقطاع مرهون بوجود إرادة حقيقية للإصلاح المالي والإداري والاستثماري .

ليبيا تمتلك النفط، والموقع، والبنية الأساسية القابلة للتطوير، والخبرة الوطنية المتراكمة

لكنها اليوم تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إدارة اقتصادية شجاعة ، تؤمن بأن الأمن الطاقي لا يتحقق فقط بزيادة الإنتاج، بل ببناء منظومة مستدامة قادرة على حماية الثروة وتحويلها إلى تنمية حقيقية للأجيال القادمة.

شروخ وحفر وطلاء ممسوح.. مبالغ عالية ومواد متهالكة .. الرقابة تكشف عن هبوط الطرق بمشاريع عودة الحياة

نوهت هيئة الرقابة الإدارية خلال تقريرها السنوي فيما يتعلق بتنفيذ مشروعات حكومة الوحدة الوطنية عن ضعف جودة الطلاء المنفذ بالطريق، حيث لوحظت خطوط طلاء ممسوحة عند الإشارة الضوئية بمنطقة الضواحي – تاجوراء، وضعف البريق واللمعان، وطلاء الخط الأصفر عند الحافة دون ترك هامش ببعض المحطات.

وبحسب التقرير فإنه لم يتم إدراج الكميات المنفذة سابقًا ضمن السلفة الثانية والمستخلص الأول، بالمخالفة لقواعد الصرف المتبعة في إعداد دفعات سداد قيمة الأعمال، ولم يتم إزالة الطبقات القديمة المتهالكة بالكامل مع رصف الطبقة الرابطة فوق طبقة مكشوطة بها شروخ وحفر، بالمخالفة للأصول الفنية.

كما قامت الأجهزة التنفيذية بالتأخير في تنفيذ الأعمال المتعاقد عليها عن البرنامج الزمني المعتمد وعدم تطبيق غرامات التأخير على الطرف الثاني (المقاول)، بالمخالفة لأحكام المادة (114) من لائحة العقود الإدارية، والتأخر في استبدال خطوط تصريف مياه الأمطار وخطوط الصرف الصحي بمسار الطريق المار أمام جامعة طرابلس، مما أدى إلى حدوث هبوطا متكرراً بمسار الطريق.

ذكر كذلك عن توقف العديد من مشاريع إنشاء ورصف الطرق على فترات متقطعة طيلة السنوات الماضية وعند استئناف العمل يتكرر إصلاح طبقات الرصف وخاصة طبقة الأساس الحبيبي مما يجعل هذه المشاريع ذات طابع استهلاكي يستنزف المال العام ويخل بمبدأ الكفاءة في إدارة الموارد والمشروعات.

كما لوحظ قصور في متابعة أسباب توقف مشروع صيانة حاجز الأمواج بميناء طرابلس البحري، بالرغم من أهمية المشروع في حماية باقي مكونات الميناء من التقلبات المناخية والجوية.

أوجد التقرير كذلك عدم التعاون والتنسيق بين شركة الكهرباء، والشركة العامة للمياه والصرف الصحي، وشركات الاتصالات والأجهزة التنفيذية في تحديد مسارات كوابل الضغط العالي، وأعمال البنية التحتية وشبكات الصرف الصحي وخطوط إمدادات المياه الموجودة بالطرق للقيام بأعمال الإزاحة وترتب على ذلك تكرار فترات التأخير بمدة تزيد عن فترة تنفيذ المشروع.

الرقابة: 3.7 مليار للدائري الثالث مع تعديل العقود وتضاعف قيمتها الأصلية

كشف تقرير هيئة الرقابة الإدارية عن قيمة مشروع الطريق الدائري الثالث حيث بلغ 3.7 مليار دينار ، وتمت المصادقة على مستندات تغطية الاعتماد المستندي لصالح ائتلاف شركات مصرية بتحفظ دون موافاة الرقابة الإجراءات

وأفاد التقرير بملاحظة كثر الأوامر التعديلية بالمشروع وتجاوزت قيمة بعض العقود من 3 إلى 4 أضعاف القيمة الأصلية.

وأضاف التقرير: عدم التقيد بإحالة الدفعات مباشرة بعد صرفها وبشكل منتظم، بل تعمد بعض الجهات إحالة كامل الدفعات دفعة واحدة بعد سدادها بالكامل مما ينتج عنه ضعف في كفاءة المراجعة وفعالية الفحص.

وأشار التقرير إلى تأخر تنفيذ بعض المشاريع نتيجة قصور الجهات المالكة في تسليم مواقع العمل إلى الشركات المنفذة، وعدم معالجة العوائق والشواغل مما اضطر الجهات إلى إصدار قرارات تمديد متكررة.

وأكد التقرير صرف سلف مالية دون استكمال الإجراءات التعاقدية الخاصة بالأوامر التعديلية، وعدم توقيعها من قبل الطرفين وعدم الحصول على المصادقة المسبقة من الهيئة.

إلى جانب قيام بعض الجهات بالتعاقد مع شركات لا يتلاءم رأس مالها وخبرتها في مجال تخصصها مع الأعمال المكلفة بها، بالمخالفة لأحكام المادة (5) بشأن فئات التصنيف المنصوص عليها في القرار (544) لسنة 2010م بإصدار لائحة تصنيف أدوات التنفيذ

وبين التقرير اعتماد أغلب الجهات في تنفيذ المشروعات على فتح اعتمادات مستندية لدى المصارف التجارية وتغطيتها لصالح الشركة المنفذة وخاصة خلال شهر (12) من كل سنة لتفادي استرجاع المبالغ لحساب الإيراد العام للمشروعات الجديدة التي لم تباشر أعمالها.

وأيضاً عدم تقيد أغلب الجهات بإحالة الدفعات فور الصرف مباشرة بالمخالفة لأحكام القانون رقم (2) لسنة 2023م بإضافة بعض الأحكام للقانون رقم (20) لسنة 2013م بإنشاء هيئة الرقابة الإدارية.

إضافة إلى إحالة المستخلصات مرفق بتفويض مالي لا يغطي قيمة إذن الصرف، وكذلك القيام بصيانة بعض المدارس أثناء فترة الدراسة الرسمية، مما أدى إلى إرباك في بعض المؤسسات التعليمية من خلال اتباع أسلوب الصيانة بشكل جزئي للمدارس أثناء فترة الدراسة.

خاص.. المركزي يطلق رسمياً خدمة الحوالات المباشرة لصغار التجار والموردين عبر المنظومته الرسمية

أكد مصرف ليبيا المركزي حصرياً لصحيفة صدى الاقتصادية اطلاق خدمة الحوالات المباشرة عبر منظومته الرسمية لتغطية طلبات صغار التجار والشركات والموردين والحرفيين، مما يسهل على هذه الفئات الخصول على النقد الأجنبي بالسعر الرسمي، ويقطع الطريق كلياً على السوق السوداء

وأضاف المركزي لصدى: وبالنسبة لإجراء الحوالات الخارجية المباشرة بمبلغ 100 الف دولار وفقاً للتعليمات الصادرة بموجب المنشور رقم 2026/14 عن المركزي فإن آلية الحجز والموافقة بنفس الآلية الخاصة بالاعتمادات المستندية في منصة الحجز fcms.cbl.gov.ly، وآلية تحميل المستندات في خانة جديدة في منظومة طلبات التغطية LCR باسم حوالات مباشرة.

“أحمد المسلاتي” يُكذب تقرير الرقابة حول البريقة ويُهاجم الاتهامات الموجهة لها

مدير مكتب الإعلام السابق للبريقة والموفد إلى ماليزيا لتحضير الماجستير على حساب البريقة للنفط ورئيس مكتب الإعلام الحالي للنقابة العامة للنفط بالمخالفة “أحمد المسلاتي” يُكذب هيئة الرقابة الإدارية ويطعن فيما جاء في تقريرها الأخير، بقولها إن البريقة تحجب الإنتاج المحلي .

كما أكد “المسلاتي” أن البريقة ليست شركة إنتاج أو تكرير أصلًا حتى تُطالب بالإفصاح للرقابة عن الإنتاج ، وهو ما اعتبره العديد تناقضاً مع ما تتداوله تقارير دولية ومحلية، بما فيها تقارير مجلس الأمن وأجهزة الرقابة بليبيا .

“الشلوي”: هل حان وقت مراجعة نمط التعاقد النفطي في ليبيا؟

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

قراءة وطنية – اقتصادية – تكنوقراطية في مستقبل عقود الاستكشاف والإنتاج

منذ اكتشاف النفط في ليبيا أواخر خمسينيات القرن الماضي، ظل القطاع النفطي العمود الفقري للاقتصاد الوطني، ومصدر القوة المالية والسيادية للدولة الليبية. وعلى الرغم من التحولات السياسية والاقتصادية العميقة التي مرت بها البلاد، بقيت المؤسسة الوطنية للنفط إحدى المؤسسات القليلة التي حافظت – بدرجات متفاوتة – على قدر من المهنية والاستمرارية الفنية والتشغيلية.

إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة ليس فقط: كيف نرفع الإنتاج؟ بل أيضًا:
هل ما يزال الإطار التعاقدي الحالي، المعروف بعقود EPSA بصيغتها الأخيرة، قادرًا على مواكبة التحولات العالمية والإقليمية؟ أم أن الوقت قد حان لإعادة النظر فيه بصورة شاملة ومتوازنة تحفظ سيادة الدولة وتجذب الاستثمار في آن واحد؟

أولًا: ما هي أنماط التعاقد النفطية المعروفة عالميًا؟

صناعة النفط عالميًا تعتمد على عدة نماذج تعاقدية بين الدول المالكة للموارد والشركات النفطية العالمية، أهمها:

  1. نظام الامتيازات التقليدية (Concession Agreements)

وهو النموذج الأقدم، حيث تمنح الدولة شركة أجنبية حق الاستكشاف والإنتاج مقابل ضرائب وإتاوات ورسوم.

هذا النموذج كان شائعًا قبل موجة التأميمات في الستينيات والسبعينيات، وكان يُنظر إليه في كثير من الدول المنتجة على أنه يمنح الشركات الأجنبية نفوذًا واسعًا على الموارد الوطنية.

  1. عقود المشاركة في الإنتاج (Production Sharing Agreements – PSA)

وهو النموذج الأكثر انتشارًا اليوم، خاصة في الدول النامية والمنتجة حديثًا.

فيه تتحمل الشركة الأجنبية مخاطر الاستكشاف والتمويل، وعند الاكتشاف يتم استرداد التكاليف من جزء من الإنتاج، ثم يتم تقاسم الأرباح بين الدولة والشركة وفق نسب متفق عليها.

  1. عقود الخدمة (Service Contracts)

تقوم الشركة بتنفيذ أعمال الاستكشاف أو التطوير مقابل أجر مالي ثابت أو مرتبط بالأداء، بينما تبقى ملكية النفط كاملة للدولة.

ويستخدم هذا النموذج في دول مثل العراق والكويت بدرجات مختلفة.

  1. النماذج الهجينة والمرنة

خلال العقدين الأخيرين ظهرت صيغ أكثر مرونة تجمع بين المشاركة والخدمة والحوافز الضريبية، خصوصًا مع ارتفاع مخاطر الاستكشاف وتعقيد المشاريع البحرية وغير التقليدية.

ثانيًا: ماذا عن ليبيا؟ وكيف تطورت عقودها النفطية؟

مرت ليبيا بعدة مراحل تعاقدية تاريخية:

مرحلة الامتيازات – ما قبل التأميم

خلال الستينيات كانت عقود الامتياز هي السائدة، في ظل حاجة ليبيا آنذاك إلى رأس المال والتكنولوجيا والخبرة.

مرحلة ما بعد التأميم وتعزيز السيادة

بعد السبعينيات اتجهت ليبيا – مثل غالبية الدول المنتجة – إلى تعزيز السيطرة الوطنية على الموارد، وتم تطوير نماذج أكثر صرامة تجاه الشركات الأجنبية.

ظهور عقود EPSA

وهي اختصار لـ:
Exploration and Production Sharing Agreement

وقد مرت بعدة إصدارات وتعديلات:

  • EPSA I
  • EPSA II
  • EPSA III
  • EPSA IV

ويُعد الإصدار الرابع (EPSA IV) الأكثر شهرة واستخدامًا في جولات العطاءات الحديثة، خاصة بعد 2005.

لماذا اعتُبر EPSA IV ناجحًا في حينه؟

يجب الاعتراف بموضوعية أن EPSA IV جاء في فترة كانت فيها:

  • أسعار النفط مرتفعة نسبيًا.
  • ليبيا تمتلك مخزونًا واعدًا منخفض التكلفة.
  • المخاطر السياسية محدودة مقارنة باليوم.
  • الشركات العالمية تتنافس بقوة للدخول إلى السوق الليبية.
  • الطلب العالمي على النفط في حالة نمو متسارع.

لذلك استطاعت ليبيا آنذاك فرض شروط مالية صارمة نسبيًا، وتحقيق حصة مرتفعة للدولة من العوائد.

بل إن البعض اعتبر أن ليبيا حصلت ضمن تلك الجولة على واحدة من أفضل الحصص الحكومية عالميًا.

لكن… هل ما نجح بالأمس يصلح لليوم؟

هنا تكمن جوهر القضية.

القطاع النفطي العالمي تغير جذريًا، وليبيا نفسها تغيرت أيضًا.

ثالثًا: لماذا أصبح من الضروري مراجعة نمط EPSA الآن؟

  1. تغير البيئة الاستثمارية العالمية

الشركات النفطية العالمية اليوم أصبحت أكثر انتقائية في استثماراتها بسبب:

  • التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
  • الضغوط البيئية وتمويلات المناخ.
  • ارتفاع تكلفة رأس المال.
  • المنافسة العالمية على جذب الاستثمار.
  • تراجع شهية المخاطرة.

بمعنى آخر:
رأس المال النفطي العالمي لم يعد يتحرك كما كان قبل 20 عامًا.

  1. ارتفاع المخاطر في ليبيا

أي مستثمر اليوم ينظر إلى:

  • الاستقرار السياسي.
  • وضوح التشريعات.
  • استقرار المالية العامة.
  • أمن المنشآت.
  • استقلالية المؤسسة الوطنية للنفط.
  • استقرار القرار السيادي.

وبالتالي فإن الشروط التعاقدية القديمة التي صُممت في بيئة أكثر استقرارًا قد لا تكون كافية لتحفيز الاستثمار اليوم.

  1. المنافسة الإقليمية أصبحت شرسة

دول عديدة حول ليبيا تتحرك بسرعة كبيرة:

  • الجزائر تطور تشريعاتها النفطية باستمرار.
  • مصر تقدم حوافز متجددة خاصة للغاز.
  • دول شرق المتوسط تجذب استثمارات ضخمة.
  • أفريقيا تشهد سباقًا استكشافيًا متسارعًا.

وفي عالم محدود رأس المال الاستثماري، فإن الشركات تقارن بين الفرص باستمرار.

  1. عامل الزمن لم يعد في صالح الدول النفطية التقليدية

هذه نقطة شديدة الأهمية.

العالم يتحدث اليوم عن:

  • إزالة الكربون.
  • السيارات الكهربائية.
  • الطاقة المتجددة.
  • الهيدروجين الأخضر.
  • تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

صحيح أن النفط والغاز سيبقيان لعقود قادمة، لكن نافذة الاستفادة القصوى من الاحتياطيات الهيدروكربونية لن تبقى مفتوحة إلى الأبد.

ولهذا فإن التأخير في الاستكشاف والتطوير قد يتحول إلى خسارة تاريخية للأجيال القادمة.

رابعًا: هل المطلوب التنازل عن حقوق الدولة؟

قطعًا لا.

أي طرح وطني مسؤول لا يمكن أن يدعو إلى التفريط في السيادة أو الثروة الوطنية.

لكن الفرق كبير بين:

  • حماية حقوق الدولة،
    و
  • تجميد القطاع بالكامل بسبب نماذج تعاقدية لم تعد تنافسية.

الحكمة الاقتصادية ليست في التشدد المطلق، بل في تحقيق أعلى قيمة وطنية طويلة الأجل.

فأحيانًا:

  • حصة أقل من مشروع ناجح،
    أفضل من
  • حصة كبيرة من مشروع لا يأتي أصلًا.

خامسًا: ما الذي يمكن أن تقترحه ليبيا اليوم؟

الأقرب للمنطق الفني والاقتصادي هو:

تطوير نموذج تعاقدي ليبي جديد مرن

وليس بالضرورة إلغاء EPSA بالكامل.

أي:

  • الحفاظ على السيادة الوطنية.
  • مع إدخال مرونة اقتصادية واستثمارية جديدة.

كيف يمكن أن يكون هذا النموذج؟

  1. نظام مالي مرن حسب المخاطر

ليس من المنطقي مساواة:

  • حوض سرت منخفض المخاطر،
    مع
  • المناطق الحدودية أو البحرية العميقة مرتفعة المخاطر.

لذلك يجب أن تكون الحوافز مرتبطة بدرجة المخاطرة والتكلفة.

  1. عقود ديناميكية مرتبطة بأسعار النفط

عندما ترتفع الأسعار ترتفع حصة الدولة تلقائيًا، وعندما تنخفض تُمنح مرونة للشركات.

وهذا يحقق توازنًا طويل الأمد.

  1. حوافز للاستكشاف الحقيقي

بعض الشركات تحتفظ بالمربعات دون نشاط فعلي.

ينبغي ربط الاحتفاظ بالمناطق ببرامج عمل إلزامية وجداول زمنية واضحة.

  1. تشجيع تطوير الغاز

العالم يتجه للغاز باعتباره وقودًا انتقاليًا.

وليبيا تمتلك إمكانيات غازية كبيرة لم تُستثمر بعد بالشكل الكافي.

  1. دمج المحتوى المحلي الحقيقي

ليس بالشعارات، بل عبر:

  • تدريب الكوادر،
  • نقل التكنولوجيا،
  • تطوير الخدمات النفطية المحلية،
  • دعم القطاع الخاص الوطني.

سادسًا: هل القوانين الليبية الحالية تسمح بذلك؟

هنا تظهر إحدى أهم الإشكاليات.

القانون النفطي الليبي الأساسي يعود إلى سنة 1955 مع تعديلات لاحقة، ورغم أنه كان متقدمًا في زمانه، إلا أن:

  • البيئة الاقتصادية تغيرت،
  • الصناعة تغيرت،
  • التمويل تغير،
  • معايير الحوكمة تغيرت،
  • ومتطلبات الشفافية والاستدامة أصبحت مختلفة تمامًا.

هل المطلوب تعديل القوانين؟

في تقديري: نعم، ولكن بحذر شديد.

المطلوب ليس هدم المنظومة القانونية، بل تحديثها بصورة مدروسة تشمل:

  • قانون النفط،
  • اللوائح التنفيذية،
  • قوانين الاستثمار،
  • قوانين الشراكة،
  • قوانين الضرائب،
  • آليات فض النزاعات،
  • الحوكمة والشفافية.

لكن هل الوضع السياسي يسمح بذلك؟

هذا السؤال مشروع جدًا.

البعض يرى أن الوضع الحالي لا يحتمل فتح ملفات استراتيجية كبرى.

لكن بالمقابل، هناك رأي اقتصادي وتقني مهم يقول:

إن الانتظار الطويل قد يكون أكثر خطورة من الإصلاح التدريجي المدروس.

فالقطاع النفطي لا يتحمل الجمود.

سابعًا: ما الذي تحتاجه ليبيا فعليًا اليوم؟

ليبيا لا تحتاج فقط إلى عقود جديدة.

بل تحتاج إلى:

  1. رؤية وطنية موحدة للطاقة

تشمل:

  • النفط،
  • الغاز،
  • البتروكيماويات،
  • الطاقة المتجددة،
  • التكرير،
  • التصدير.
  1. استقرار المؤسسة الوطنية للنفط

بعيدًا عن التجاذبات السياسية.

  1. حوكمة واضحة وشفافية

لأن رأس المال يخاف من الغموض أكثر من خوفه من المخاطر نفسها.

  1. تسريع المشاريع المتوقفة

خصوصًا:

  • تطوير الحقول،
  • خطوط النقل،
  • الصيانة،
  • الخزانات،
  • الموانئ،
  • مشاريع الغاز.
  1. إطلاق جولات استكشاف مدروسة

لكن ضمن إطار تنافسي عصري وجاذب.

الخلاصة

نعم… يبدو أن الوقت قد حان فعلًا لمراجعة نموذج EPSA بصيغته الحالية، ليس لأنه فشل، بل لأنه نجح في زمن مختلف تمامًا عن زمن اليوم.

الهدف لا يجب أن يكون:

  • إرضاء الشركات الأجنبية،
    ولا
  • التشدد الشعبوي غير الاقتصادي،

بل بناء نموذج وطني ذكي يحقق التوازن بين:

  • سيادة الدولة،
  • جذب الاستثمار،
  • تسريع الاستكشاف،
  • تعظيم العائد،
  • وضمان حقوق الأجيال القادمة.

ليبيا ما تزال تمتلك واحدًا من أهم الأحواض النفطية في العالم، وتكلفة إنتاج من الأقل عالميًا، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا استثنائيًا قريبًا من أوروبا والأسواق العالمية.

لكن الثروات وحدها لا تكفي.

العالم يتحرك بسرعة، والطاقة تعاد صياغتها عالميًا، والاستثمار النفطي لم يعد ينتظر المترددين.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط معركة إنتاج،
بل معركة وقت، وتشريع، وحوكمة، ورؤية وطنية قادرة على تحويل الثروة الطبيعية إلى قوة اقتصادية مستدامة تحفظ لليبيا مكانتها وسيادتها لعقود قادمة.

خاص.. تقرير رقابي حصري لصدى: البريقة تحجب بيانات الانتاج المحلي ومؤسسة النفط تحمل الدولة غرامات تتجاوز 59 مليون دولار

تحصلت صدى حصرياً على نسخة من تقرير الرقابة الإدارية المُعلن عنه خلال اليومين الماضيين، والذي تضمن اتهامات بقيام شركة البريقة لتسويق النفط بحجب بيانات الإنتاج المحلي من البنزين وعدد من المشتقات النفطية، وعدم الإفصاح الكامل عن حجم الإمدادات المتعلقة بقوت الليبيين.

وأشار التقرير إلى أن ليبيا تستهدف استيراد نحو 14.6 مليون طن من المحروقات، بتكلفة تقديرية تتجاوز 8.5 مليار دولار، تشمل البنزين والديزل والغاز ووقود الطيران.
وأوضح التقرير أن إدارة المؤسسة استندت إلى حجب ميزانية التشغيل لعام 2024 لتبرير تراجع الأداء وإرباك العمليات الفنية.

وأكد التقرير أن زيادة الإيراد الإجمالي، بالتزامن مع انخفاض الأسعار العالمية بنسبة تقارب 14%، يثبت قدرة المؤسسة الفنية والتشغيلية على التصدير، وهو ما يضعف الحجة القانونية المستخدمة لتبرير القصور تحت ذريعة نقص الميزانيات.

كما كشف التقرير عن استمرار تراكم الالتزامات والديون على المؤسسة لتتجاوز 31 مليار دينار خلال عامين، إلى جانب صرف ملايين الدولارات على الاستشارات والمكافآت، وتحمل الدولة غرامات تجاوزت 59 مليون دولار نتيجة تأخر النواقل وسوء إدارة المبادلات النفطية.

وشدد التقرير على ضرورة إجراء مراجعة شاملة لكافة الإجراءات المالية والتعاقدية بالمؤسسة الوطنية للنفط خلال الفترة من 2022 إلى 2024، مع التدقيق في أوجه صرف أكثر من 27.6 مليار دينار، لضمان عدم وجود هدر أو سوء تصرف في الإيرادات السيادية.

الشلوي: رأس لانوف.. القلب الصناعي الذي كان يمكن أن يغيّر الاقتصاد الليبي

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

في تاريخ الاقتصاد الليبي الحديث، لا يمكن الحديث عن التنمية الصناعية أو الأمن الطاقوي أو حتى مستقبل التنويع الاقتصادي دون التوقف مطولاً أمام مشروع رأس لانوف؛ ذلك الصرح الذي لم يكن مجرد مصفاة نفط أو مجمع بتروكيميائي، بل رؤية دولة كاملة كانت تسعى للانتقال من اقتصاد ريعي قائم على تصدير الخام إلى اقتصاد صناعي متكامل يصنع القيمة المضافة ويؤسس لقاعدة إنتاج وطنية حقيقية.

لقد اختُزل الحديث عن رأس لانوف لسنوات طويلة في كونه “مصفاة نفط”، بينما الحقيقة أن المشروع منذ بداياته كان أكبر بكثير من مفهوم التكرير التقليدي، فالمخطط الاستراتيجي الذي قامت عليه الفكرة لم يكن يهدف فقط إلى إنتاج البنزين والديزل والوقود، بل إلى خلق منظومة صناعية متشابكة تربط بين التكرير والبتروكيميائيات والصناعات التحويلية والطاقة والتصدير والخدمات اللوجستية، ولهذا السبب ظل رأس لانوف يمثل أحد أهم المشاريع الاقتصادية التي عرفتها ليبيا منذ اكتشاف النفط.

من فلسفة تصدير الخام إلى فلسفة التصنيع

خلال السبعينيات والثمانينيات، تشكل داخل ليبيا تيار تكنوقراطي مؤمن بأن تصدير النفط الخام وحده لا يصنع اقتصاداً قوياً، وأن الثروة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الموارد الطبيعية إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة عالية، ومن هنا جاءت فكرة إنشاء مجمعات صناعية متكاملة تعتمد على النفط والغاز كلقيم صناعي وليس فقط كمصدر دخل مالي.

كانت الرؤية آنذاك تقوم على تأسيس قاعدة صناعية ممولة من الدولة، مدعومة بالخام المحلي، وبكوادر وطنية تُبنى تدريجياً عبر التراكم المعرفي والتشغيلي، ولذلك لم يكن مشروع رأس لانوف مجرد مشروع نفطي، بل مشروع دولة يسعى إلى خلق اقتصاد إنتاجي متكامل.

ولهذا تم تصميم مجمع رأس لانوف ليكون مرتبطاً بالصناعات البتروكيميائية منذ اليوم الأول. فجزء مهم من النافثا المنتجة من عمليات التكرير كان موجهاً إلى مجمع الإيثيلين والبتروكيميائيات بدلاً من تحويله بالكامل إلى وقود، وهذه نقطة جوهرية تميز رأس لانوف عن كثير من المصافي التقليدية في المنطقة.

الفرق بين رأس لانوف والزاوية… فلسفتان مختلفتان

عند مقارنة مصفاتي رأس لانوف والزاوية تظهر بوضوح فلسفتان مختلفتان في إدارة قطاع التكرير الليبي.

مصفاة رأس لانوف، بطاقة تصميمية تقارب 220 ألف برميل يومياً، صُممت لتكون جزءاً من منظومة صناعية متكاملة مرتبطة بالبتروكيميائيات، وتعتمد بشكل رئيسي على التقطير الجوي والفراغي دون امتلاك وحدات تحويل عميق كبيرة، بمعنى أن دورها الأساسي لم يكن تعظيم إنتاج الوقود بقدر ما كان توفير اللقيم للصناعات الكيميائية.

أما مصفاة الزاوية، فرغم أن طاقتها التصميمية أقل، إلا أنها أقرب إلى مصفاة موجهة لتلبية احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية، مع تركيز أكبر على تحسين جودة المنتجات عبر وحدات الهيدروسكيمينغ وإصلاح النافثا وتحسين البنزين ومعالجة الكبريت.

هذا الاختلاف التقني يعكس اختلافاً استراتيجياً عميقاً:

  • رأس لانوف صُممت كقاعدة صناعية للتصدير والصناعات التحويلية.
  • الزاوية صُممت لضمان أمن الإمدادات للسوق المحلي.

ومن هنا تأتي أهمية فهم أن تقييم رأس لانوف لا يجب أن يتم فقط بمنطق أرباح التكرير المباشرة، بل بمنطق “الأثر الاقتصادي الكلي” على الصناعة والتشغيل والتصدير والميزان التجاري.

لماذا تعثر المشروع؟

رغم الرؤية الطموحة، واجه المشروع تحديات مركبة عبر العقود.

الحصار السياسي والعقوبات الدولية خلال الثمانينيات والتسعينيات أوقفا كثيراً من خطط التوسع والتحديث، كما أن نقص التمويل بعد رفع الحصار، بالتزامن مع التوسع الكبير في الاستهلاك المحلي، دفع الدولة إلى البحث عن شراكات أجنبية لتمويل تطوير القطاع.

لكن هنا ظهرت فجوة جوهرية في التشريعات الاقتصادية الليبية؛ فالقوانين التي نجحت نسبياً في تنظيم مشاركة الشركات الأجنبية في الاستكشاف والإنتاج لم تكن مناسبة لإدارة شراكات معقدة في قطاع التكرير والبتروكيميائيات.

ولهذا دخلت المؤسسة الوطنية للنفط في سلسلة من التفاوضات مع شركات أجنبية كبرى، بعضها كان يستهدف الاستثمار الصناعي الحقيقي، وبعضها كان ينظر إلى ليبيا كسوق أو كمصدر مواد أولية منخفضة التكلفة أكثر من كونها شريكاً استراتيجياً في التصنيع.

ومع مرور الوقت بدأت تتضارب المصالح بين:

  • احتياجات السوق المحلي الليبي،
  • أهداف التنمية الصناعية،
  • والمصالح التجارية للشركاء الأجانب.

وهذه النقطة كانت من أهم أسباب التعثر لاحقاً.

أزمة الشراكة الأجنبية… عندما تغيب الرؤية الوطنية

من الناحية الاقتصادية البحتة، فإن أي مستثمر أجنبي يبحث أولاً عن أعلى عائد ممكن على رأس المال، بينما تبحث الدولة عن الأمن الاقتصادي والقيمة المضافة والتشغيل والتنمية الإقليمية. وعندما لا تُصاغ العقود بطريقة دقيقة ومتوازنة، تبدأ الفجوة بين المصلحة الوطنية والمصلحة التجارية في الاتساع.

في حالة رأس لانوف، بدا أحياناً أن التركيز تحول من بناء منظومة بتروكيميائية متكاملة إلى مجرد تطوير المصفاة ككيان تجاري مستقل، وهو ما أضعف الفكرة الأصلية للمشروع.

كما أن بعض الخلافات الإدارية والتشغيلية المتعلقة بالتسعير والتصدير وأولويات الإنتاج أدت لاحقاً إلى توترات كبيرة بين المؤسسة الوطنية للنفط والشركاء الأجانب، انتهت في النهاية إلى نزاعات قانونية عطلت المشروع لسنوات طويلة.

ومن المؤسف أن ليبيا خلال تلك الفترة خسرت زمناً استراتيجياً كانت فيه دول الخليج تبني أكبر مجمعات البتروكيميائيات في العالم، وتتحول من دول مصدّرة للخام إلى قوى صناعية عالمية في الكيميائيات والطاقة والصناعات التحويلية.

رأس لانوف اليوم… هل انتهى المشروع؟

الإجابة بوضوح: لا.

رأس لانوف ما زال يمتلك مقومات استثنائية قد تجعله أحد أهم المراكز الصناعية في البحر المتوسط إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية الصحيحة.

فالموقع الجغرافي للمجمع يمنحه ميزة لوجستية نادرة بين أوروبا وأفريقيا، كما أن توفر النفط والغاز منخفض التكلفة يمثل أفضلية تنافسية ضخمة في الصناعات البتروكيميائية والطاقة والأسمدة والصناعات التحويلية.

لكن الأهم من ذلك أن العالم اليوم يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، حيث تبحث أوروبا تحديداً عن مصادر قريبة وآمنة للطاقة والمنتجات الكيميائية بعد التحولات الجيوسياسية الأخيرة. وهذه فرصة تاريخية لليبيا إذا أُحسن استغلالها.

ماذا يحتاج رأس لانوف مستقبلاً؟

إذا أرادت ليبيا إعادة إحياء المشروع بصورة حقيقية، فإن الأمر يتطلب الانتقال من عقلية “تشغيل مصفاة” إلى عقلية “بناء مدينة صناعية طاقوية”.

وهذا يشمل عدة محاور أساسية:

أولاً: تحديث المصفاة تقنياً

عبر إدخال وحدات تحويل عميق مثل:

  • التكسير الهيدروجيني،
  • وحدات FCC،
  • وتحسين كفاءة الطاقة وتقليل الانبعاثات.

وذلك لرفع هامش الربحية وتحسين جودة المنتجات وفق المواصفات الأوروبية.

ثانياً: إعادة بناء سلسلة البتروكيميائيات

من خلال:

  • التوسع في الإيثيلين والبولي إيثيلين،
  • صناعات الميثانول والأمونيا،
  • الصناعات البلاستيكية التحويلية،
  • وربط المجمع بمناطق صناعية داعمة.

ثالثاً: إنشاء منطقة اقتصادية صناعية خاصة

بحوافز ضريبية وتشريعية مرنة تستقطب الصناعات المرتبطة بالطاقة والكيماويات والخدمات اللوجستية.

رابعاً: الاستثمار في العنصر البشري

لأن أي مشروع صناعي لا يُبنى بالمعدات فقط، بل بالكفاءات الفنية والهندسية والإدارية القادرة على إدارة منظومات صناعية معقدة.

البعد الاقتصادي الحقيقي للمشروع

القيمة الحقيقية لرأس لانوف لا تكمن فقط في إنتاج الوقود، بل في مضاعفة القيمة المضافة داخل الاقتصاد الليبي.

فعندما يتحول برميل النفط من خام يُصدَّر إلى:

  • منتجات بتروكيميائية،
  • وأسمدة،
  • ومواد بلاستيكية،
  • وصناعات تحويلية،
    فإن العائد الاقتصادي يتضاعف عدة مرات، كما تتولد آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة.

كما أن تطوير رأس لانوف يمكن أن:

  • يقلل فاتورة الاستيراد،
  • يعزز استقرار العملة،
  • يرفع الصادرات غير الخام،
  • ويخلق قطاعاً صناعياً قادراً على دعم الاقتصاد حتى في فترات انخفاض أسعار النفط.

الخلاصة

رأس لانوف ليس مجرد مشروع متعثر، بل قصة صراع بين رؤيتين:

  • رؤية تعتبر النفط مورداً للتصدير فقط،
  • ورؤية تعتبره قاعدة لبناء اقتصاد صناعي متكامل.

وعلى الرغم من كل التعثرات السياسية والإدارية والقانونية، فإن المشروع ما زال يمتلك القدرة على أن يصبح نقطة التحول الكبرى في الاقتصاد الليبي إذا أُعيدت صياغته بعقلية تكنوقراطية حديثة، تقوم على الكفاءة والحوكمة والتكامل الصناعي والمصلحة الوطنية طويلة المدى.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي نجحت في إدارة ثرواتها النفطية ليست بالضرورة الأكثر امتلاكاً للنفط، بل الأكثر قدرة على تحويله إلى صناعة ومعرفة وقيمة مضافة.

وليبيا ما زالت تملك هذه الفرصة، وربما يكون رأس لانوف هو المكان الذي تبدأ منه من جديد.

“الشلوي”: النفط الليبي بين.. تحديات الواقع وفرص المستقبل

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

لماذا يحتاج القطاع إلى إعادة بناء اقتصادية لا مجرد تمويل مؤقت؟

في كل مرة يُطرح فيها ملف النفط الليبي، يتحول النقاش سريعاً إلى أرقام الإنتاج والإيرادات، وكأن القضية تختزل فقط في عدد البراميل المصدّرة يومياً أو حجم العوائد السنوية، غير أن الحقيقة الأعمق تكمن في أن قطاع النفط الليبي يعمل منذ سنوات طويلة في بيئة غير مستقرة سياسياً وأمنياً ومؤسسياً، الأمر الذي جعل الحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية الإنتاج إنجازاً بحد ذاته في كثير من المراحل.

فالقطاع النفطي في ليبيا لم يعمل خلال العقد الماضي في ظروف تشغيل طبيعية، بل تحت تأثير الإغلاقات المتكررة، والانقسامات الإدارية، وتهالك البنية التحتية، وضعف الإنفاق الرأسمالي، وغياب الاستقرار التشريعي، إلى جانب الضغوط الفنية واللوجستية التي طالت الحقول وخطوط النقل والموانئ ومرافق المعالجة والتكرير.

لهذا، فإن الحديث عن زيادة الإنتاج إلى مستويات مستهدفة تتجاوز المليونين برميل يومياً لا يمكن أن يتم بمنطق التمنيات أو القرارات الإدارية المجردة، بل يحتاج إلى قراءة واقعية لحجم التحديات الفنية والاقتصادية والمالية التي تواجه القطاع بمختلف مكوناته التشغيلية، سواء في أنشطة الاستكشاف والإنتاج (Upstream)، أو النقل والتخزين والمعالجة (Midstream)، أو التكرير والصناعات التحويلية والتوزيع (Downstream).

تحديات متراكمة تعيق الوصول إلى الزيادة المنشودة

أبرز التحديات التي تواجه القطاع اليوم تتمثل في تقادم البنية التحتية النفطية. فالكثير من الحقول وخطوط الأنابيب ومحطات الضخ والخزانات تعمل منذ عقود، وبعضها تجاوز عمره التشغيلي التصميمي، في ظل محدودية برامج الإحلال والتطوير والصيانة العميقة خلال السنوات الماضية.

كما أن جزءاً كبيراً من الإنتاج الليبي يعتمد على حقول تحتاج إلى تقنيات متقدمة للحفاظ على معدلات الإنتاج الطبيعية، بما يشمل عمليات حقن المياه والغاز، والصيانة المكمنية، وتطوير الآبار، ومعالجة الاختناقات التشغيلية، وهي عمليات تتطلب إنفاقاً مستمراً وسريعاً لا يحتمل التأجيل أو التعقيدات الإدارية الطويلة.

إضافة إلى ذلك، فإن القطاع يعاني من تحديات لوجستية كبيرة تشمل سلاسل الإمداد، وتوفير المعدات وقطع الغيار، والتأخر في تنفيذ المشاريع، وصعوبة التعاقدات في بعض الأحيان، فضلاً عن ارتفاع تكلفة التشغيل عالمياً بعد التغيرات التي شهدتها أسواق الطاقة والخدمات النفطية خلال السنوات الأخيرة.

ولا يمكن إغفال تأثير الانقسام المؤسسي وعدم استقرار القرارات الاقتصادية والمالية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قدرة القطاع في التخطيط بعيد المدى، وجذب الاستثمارات، وتنفيذ برامج تطوير مستدامة.

هل التمويل عبر القروض هو الحل؟

يعتقد البعض أن معالجة مشاكل القطاع النفطي يمكن أن تتم فقط عبر توفير قروض أو ترتيبات تمويلية جديدة، والحقيقة أن التمويل مهم وضروري، لكنه ليس الحل الكامل إذا لم يُصاحب بإصلاحات هيكلية وإدارية ومؤسسية حقيقية.

فالقطاع النفطي بطبيعته قطاع كثيف رأس المال، ويحتاج إلى تدفقات مالية مستمرة وفورية للحفاظ على استقرار الإنتاج، خصوصاً في أعمال الصيانة والتطوير والخدمات اللوجستية والتشغيلية، وبالتالي فإن اللجوء إلى أدوات التمويل، بما فيها القروض، قد يكون خياراً عملياً ومبرراً في بعض الحالات، خاصة إذا كان موجهاً لمشاريع إنتاجية واضحة ذات عائد اقتصادي مباشر وقابل للقياس.

لكن الخطر يكمن في أن يتحول التمويل إلى مجرد وسيلة لتغطية الاختلالات التشغيلية والإدارية دون معالجة جذور المشكلة، فالقروض وحدها لا ترفع الإنتاج إذا كانت بيئة التشغيل غير مستقرة، أو إذا كانت دورة القرار بطيئة، أو إذا كانت الهياكل الإدارية والمالية غير قادرة على إدارة الموارد بكفاءة وشفافية.

من هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة أعمق تقوم على إعادة هيكلة القطاع اقتصادياً وإدارياً، بحيث يعمل وفق نموذج مؤسسي حديث يقوم على الكفاءة والحوكمة والمحاسبة والشفافية.

الحاجة إلى إعادة هيكلة اقتصادية حقيقية

القطاع النفطي الليبي بحاجة إلى التحول التدريجي من مجرد جهاز تشغيلي تقليدي إلى منظومة اقتصادية متكاملة تمتلك أدوات الإدارة الحديثة، من خلال بناء هياكل مالية واضحة تشمل قوائم أرباح وخسائر، وميزانيات تشغيلية ورأسمالية، وإدارة للأصول والخصوم، ومؤشرات أداء حقيقية تقيس الكفاءة والإنتاجية والعائد على الإنفاق.

فالإدارة الاقتصادية الحديثة للقطاع لا تعني الخصخصة كما قد يظن البعض، بل تعني رفع كفاءة إدارة الموارد وتعظيم العائد الوطني من كل دولار يتم إنفاقه.

كما أن وجود آلية تمويل مستقرة ومستقلة نسبياً عن التعقيدات البيروقراطية أصبح ضرورة استراتيجية وليس ترفاً إدارياً، لأن طبيعة الصناعة النفطية لا تحتمل تعطيل أعمال الصيانة أو تأخير توريد المعدات أو إيقاف المشاريع بسبب إجراءات مالية طويلة ومعقدة.

إن أي تأخير في الإنفاق داخل القطاع النفطي لا يعني فقط تعطيل مشروع، بل قد يؤدي إلى فقدان إنتاج، أو تلف معدات، أو ارتفاع تكلفة الاسترجاع مستقبلاً، أو حتى خسارة فرص سوقية يصعب تعويضها.

في هذا السياق، فإن عودة مصفاة رأس لانوف إلى حضن الوطن واستعادة دورها الطبيعي تمثل واحدة من أهم الفرص الاستراتيجية التي يمكن أن تعيد التوازن إلى قطاع التكرير والصناعات التحويلية في ليبيا.

فإعادة تشغيل المصفاة وما يصاحبها من عودة مرتقبة لمجمع رأس لانوف الصناعي والبتروكيميائي للعمل من جديد، لا تمثل مجرد استعادة لمنشأة متوقفة، بل استرجاعاً لواحد من أهم الأصول الاقتصادية والصناعية في الدولة الليبية.

ومن وجهة نظر فنية وتشغيلية، فإن إعادة تأهيل وتشغيل هذا الصرح لا تبدو مستحيلة أو بعيدة زمنياً، بل قد لا تتجاوز عاماً واحداً من أعمال الصيانة والتطوير والتجهيز، إذا ما توفرت الإرادة والتمويل الكافي والقرارات التنفيذية السريعة.

وعند تشغيل مجمع رأس لانوف الصناعي والبتروكيميائي، ستظهر القيمة المضافة الحقيقية التي يمكن أن يقدمها القطاع النفطي للاقتصاد الوطني، بعيداً عن تصدير الخام فقط. فالصناعات البتروكيميائية تفتح الباب أمام تعظيم العوائد، وخلق فرص العمل، وتحفيز الصناعات التحويلية، وزيادة الصادرات ذات القيمة المرتفعة، وتقليل الاعتماد على الواردات، إلى جانب خلق بيئة صناعية متكاملة قادرة على دعم الاقتصاد الليبي لعقود طويلة.

ليبيا تمتلك مزايا تنافسية نادرة

رغم كل هذه التحديات، فإن ليبيا ما تزال تمتلك واحدة من أهم الفرص النفطية في منطقة المتوسط وأفريقيا.

فالنفط الليبي يتمتع بجودة عالية ومواصفات مرغوبة عالمياً، كما أن الموقع الجغرافي يمنح ليبيا ميزة تنافسية مهمة لقربها من الأسواق الأوروبية، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية وإعادة تشكيل خرائط إمدادات الطاقة.

إضافة إلى ذلك، تمتلك ليبيا احتياطيات كبيرة غير مستغلة بالكامل، سواء في النفط أو الغاز، فضلاً عن انخفاض تكلفة الإنتاج مقارنة بعدد من المنتجين الآخرين عالمياً.

كما أن العالم، رغم توجهه المتسارع نحو الطاقات المتجددة والنظيفة، ما يزال يحتاج إلى النفط والغاز لعقود قادمة، خصوصاً في الصناعات الثقيلة، والنقل، والبتروكيماويات، وتوليد الكهرباء.

بل إن الغاز الطبيعي تحديداً مرشح لأن يلعب دوراً محورياً خلال المرحلة الانتقالية العالمية للطاقة، وهو ما يفتح أمام ليبيا فرصاً كبيرة لتطوير مشاريع الغاز، سواء للاستهلاك المحلي أو للتصدير.

الغاز والكهرباء.. معركة الاستقرار الداخلي

الحديث عن قطاع النفط في ليبيا لا يجب أن يُختزل فقط في الإيرادات المالية، بل يجب أن يُنظر إليه كركيزة لاستقرار الدولة والمجتمع.

فتطوير قطاع الغاز أصبح ضرورة وطنية لتغذية محطات الكهرباء، ومصانع الحديد والصلب، ومصانع الأسمنت، والصناعات البتروكيماوية، وعدد من الوحدات الصناعية التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط وغيرها.

وهذا الملف يرتبط بشكل مباشر بإنهاء أزمة طرح الأحمال التي عانى منها المواطن الليبي لسنوات، وما ترتب عليها من خسائر اقتصادية واجتماعية ومعيشية كبيرة أثرت على جودة الحياة، والإنتاج الصناعي، والنشاط التجاري، وحتى على الاستقرار الاجتماعي والنفسي للمواطن.

إن أي استثمار ناجح في الغاز والطاقة ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل هو استثمار في استقرار الدولة وتحسين حياة الناس وتعزيز الثقة في مؤسساتها.

لماذا يجب ألا نبخل على هذا القطاع؟

الحقيقة التي لا خلاف عليها أن الاقتصاد الليبي يعتمد بشكل شبه كامل على قطاع النفط والغاز .. وبالتالي فإن أي ضعف في هذا القطاع ينعكس مباشرة على الإيرادات العامة، والاستقرار المالي، وسعر العملة، ومستوى الخدمات، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

لقد كان القطاع النفطي طوال السنوات الماضية صمام الأمان الذي حافظ على الحد الأدنى من استمرار مؤسسات الدولة، رغم كل ما مرت به البلاد من أزمات وانقسامات.

لهذا فإن الإنفاق على القطاع النفطي لا يجب أن يُنظر إليه كمصروفات استهلاكية، بل كاستثمار سيادي في بقاء الدولة نفسها. فكل دولار يُصرف بكفاءة على الصيانة والتطوير وزيادة الإنتاج وتحسين البنية التحتية يمكن أن ينعكس بأضعافه على الاقتصاد الوطني والاستقرار العام.

لكن في المقابل، فإن هذا الإنفاق يجب أن يكون ضمن منظومة واضحة من الحوكمة والرقابة والشفافية والتخطيط طويل الأجل، حتى تتحول الإيرادات النفطية فعلاً إلى تنمية يشعر بها المواطن، لا مجرد أرقام تُتداول في التقارير.

خاتمة

المشهد النفطي الليبي اليوم يقف عند مفترق طرق حقيقي. فإما الاستمرار في إدارة القطاع بمنطق المعالجة المؤقتة وردود الأفعال، وإما الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على الإصلاح المؤسسي، والتمويل المستدام، والإدارة الاقتصادية الحديثة، والتخطيط الاستراتيجي طويل المدى.

زيادة الإنتاج ليست مستحيلة، لكنها أيضاً ليست قراراً سياسياً أو إعلامياً يمكن تحقيقه بين ليلة وضحاها. إنها عملية معقدة تتطلب استقراراً، وتمويلاً ذكياً، وإدارة كفؤة، ورؤية وطنية تدرك أن النفط ليس مجرد مصدر دخل، بل ركيزة أساسية لمستقبل ليبيا الاقتصادي والاجتماعي والسيادي.

في النهاية، فإن الدول التي نجحت في استثمار ثرواتها الطبيعية لم تكن تلك التي امتلكت النفط فقط، بل تلك التي امتلكت القدرة على إدارة النفط بعقل اقتصادي ومؤسسي واستراتيجي. وليبيا تملك اليوم كل المقومات لتكون واحدة من هذه الدول إذا أحسنت إدارة الفرصة قبل أن تضيعها التحولات العالمية المقبلة في أسواق الطاقة.