Skip to main content

الكاتب: A

تقرير اللجنة المشتركة بين ديوان المحاسبة ومكافحة الفساد يكشف فوضى دعم الوقود في ليبيا وثغرات قانونية ومليارات خارج الرقابة

كشف تقرير اللجنة المشتركة بين ديوان المحاسبة ومكافحة الفساد عن رصد تداخل تشريعي وازدواجية في الاختصاصات بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة لتسويق النفط مما أدى إلى غياب الرقابة والمساءلة.

وأكد بأن شركة البريقة تعتمد على تقديرات تقريبية وتقليدية في تحديد احتياجات السوق المحلي من الوقود وتفتقر للدراسات العلمية المؤكدة.

نوه أيضاً عن تسجيل قفزات قياسية وتضخم غير مبرر في سحوبات الوقود الموزع على قطاعات الأمن العام، القوات المسلحة، والكهرباء بين عامي 2021 و2024، كذلك مسحوبات قطاع الأمن العام من البنزين قفزت بنسبة 621% والديزل بنسبة 441% خلال عام 2024 مقارنة بعام 2021، ومسحوبات القوات المسلحة من وقود الديزل تسجل ارتفاعاً قياسياً بنسبة 1527% خلال عام 2024 مقارنة بعام 2021.

وبحسب التقرير فقد أوصى بفرض غرامة تأخير بنسبة 0.5% يومياً على شركات توزيع المحروقات المتأخرة في السداد، وإيقاف التزويد عن الشركات التي تتجاوز مديونيتها 30 يوماً، وتم المطالبة بإلزام شركات توزيع الوقود بتحويل الإيرادات إلى حساب وزارة المالية خلال 48 ساعة من استلام الكميات، وأوصى بتركيب منظومات تتبع (GPS) وأجهزة استشعار على شاحنات نقل الوقود والخزانات لضبط عمليات التوزيع ومكافحة الهدر والتهريب.

ذكر التقرير أيضاً بأن خارطة الإصلاح المقترحة لملف المحروقات تستهدف خفض الكميات المستوردة بنسبة تتراوح بين 25% و30% لحماية الموارد العامة.

وبحسب التقرير أيضاً فإن منظومة دعم الوقود في ليبيا تُعاني من ثغرات تشريعية ومالية خطيرة أدت إلى ضعف الشفافية والرقابة، واعتماد آليات غير واضحة لتمويل الدعم خارج الميزانية العامة للدولة، كما أنه لا توجد أحكام قانونية صريحة تنظم دعم المحروقات ضمن قانون النظام المالي، رغم أنه من أكبر بنود الإنفاق العام، ما يترك المجال للاجتهادات والقرارات الإدارية غير المنظمة.

كذلك قانون النظام المالي لم ينص على حساب حكومي خاص بدعم المحروقات، كما لم تُفعّل صلاحية إنشاء حسابات إضافية لتنظيم الدعم ضمن إطار قانوني واضح ومستقر، وغياب الغطاء القانوني لمخصصات دعم الوقود يجعلها عرضة للمناقلات المالية ويحد من وجود آليات رقابية ملزمة لمتابعة الإنفاق وضمان الاستقرار المالي.

وبحسب التقرير فإن لائحة الميزانية والحسابات والمخازن لا تحدد بشكل واضح آلية إعداد تقديرات دعم المحروقات أو الجهة المسؤولة عنها، ما يكشف عن ضعف في الإطار التنظيمي للمنظومة، وهناك تذبذب مخصصات دعم المحروقات والاعتماد الكامل على نظام المبادلة أدى إلى توريد كميات كبيرة دون ضوابط مالية واضحة، مع صعوبة تتبع الإنفاق الحقيقي.

كما اعتبر أن استخدام الموارد النفطية في توريد المحروقات عبر نظام المبادلة يخالف القواعد المالية المنظمة لإدارة المال العام، ويسهم في إخفاء جزء من الإيرادات والمصروفات الفعلية للدولة، وضعف صارخ في تحصيل إيرادات المحروقات من شركات التوزيع، إذ لم تتجاوز المبالغ المحصلة خلال أعوام 2022 و2023 و2024 نحو 596.7 مليون دينار، وسط غياب آليات فعالة للتحصيل والمساءلة.

وأُوصيت اللجنة بإدراج بند إلزامي لدعم المحروقات ضمن الميزانية العامة، وتحديد مخصصاته وفق معايير واضحة وربطها بتقلبات الأسعار العالمية، ودعت إلى تعزيز الشفافية عبر نشر تقارير شهرية من المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة ووزارة المالية حول الكميات الموردة والموزعة ومخصصات الدعم، وأُوصيت برفع كفاءة تحصيل الإيرادات من شركات التوزيع من خلال إلزامها بتحويل الإيرادات خلال 48 ساعة، وفرض غرامات على المتأخرين، ووقف التوزيع للشركات التي تتجاوز مديونياتها 30 يوماً.

كما اعتمدت حكومة الوحدة الوطنية في عام 2022 مخصصات لدعم المحروقات بقيمة 5.2 مليار دينار بعد إجراء مناقلة مالية بقيمة 2.6 مليار دينار، ولم تتضمن ميزانية عام 2023 أي مخصصات لدعم المحروقات رغم استمرار الإنفاق على التوريد عبر نظام المبادلة، ولم تتضمن الاعتمادات الشهرية المؤقتة المعتمدة لعام 2024 أي مخصصات لدعم المحروقات.

وأظهر نظام المبادلة الإيرادات والنفقات الرسمية للدولة بأقل من قيمتها الحقيقية بنسبة تراوحت بين 30% و35%، كما بلغت الإيرادات المحصلة فعلياً من شركات توزيع المحروقات خلال الأعوام 2022 و2023 و2024 نحو 596.7 مليون دينار فقط.

وأوصت اللجنة بفرض غرامة تأخير بنسبة 0.5% يومياً على الشركات المتأخرة في تحويل الإيرادات المستحقة لوزارة المالية، وأيضاً بمنع توزيع المحروقات على الشركات التي تتجاوز مدة مديونيتها 30 يوماً حتى تسوية التزاماتها المالية.

خاص.. المركزي: نعمل على تحديث شامل لكافة المنظومات، وإجراء مسح تقني لجميع الانظمة الرئيسية والتابعة مما سينتج عنه إيقاف مؤقت حتى استكمال عملية الصيانة

قال مصرف ليبيا المركزي لصدى الاقتصادية أنه يباشر المصرف اليوم تنفيذ تحديث شامل لكافة المنظومات الإلكترونية وإجراء مسح تقني لجميع الأنظمة الرئيسية والتابعة، وذلك في أعقاب حادثة التوقف المفاجئ للخدمات الإلكترونية.

وأوضح المصرف أن هذه الإجراءات تأتي لتفادي تكرار مثل هذه الأحداث مستقبلاً، مشيراً إلى أن عملية التحديث والصيانة ستتطلب إيقافاً مؤقتاً لبعض الخدمات إلى حين استكمال الأعمال الفنية.

“إدريس الشريف”: حول تقرير الحوار المهيكل.. الاقتصاد ينتظر السياسة!

كتب: الخبير الاقتصادي “إدريس الشريف” مقالاً

يمثل التقرير الاقتصادي للحوار المهيكل الليبي جهداً فنياً وطنياً جديراً بالتقدير.. وذلك لما تضمنه من تشخيص موضوعي للاختلالات الاقتصادية التي تعاني منها البلاد ولما قدمه من توصيات مهمة تتعلق بإصلاح المالية العامة، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وإعادة هيكلة الدعم، وتمكين القطاع الخاص،ومعالجة التشوهات التي تعيق النمو والتنمية.

ورغم أهمية هذه المخرجات فإن كثيراً من الأفكار والتوصيات الواردة في التقرير ليست جديدة بالكامل.. بل سبق أن تناولتها دراسات وأوراق عمل أعدها خبراء ومتخصصون ليبيون على مدى سنوات .. (بعضهم من المشاركين في الحوار ) ..إلا أنها لم تجد الإرادة السياسية الكافية أو البيئة المؤسسية المناسبة لتحويلها إلى سياسات وإجراءات عملية.

ومن هنا تبرز أهمية المسار السياسي باعتباره الحلقة الحاسمة في معادلة الإصلاح !

فالمشكلة في ليبيا لم تكن يوماً نقصاً في التشخيص أو شحاً في المقترحات بقدر ما كانت تتمثل في ضعف القدرة على التنفيذ وغياب الارادة و التوافق السياسي والمؤسساتي اللازم لإنفاذ الإصلاحات.

لذلك فإن نجاح مسارات الحوكمة والانتخابات وتوحيد المؤسسات لا يقل أهمية عن التوصيات الاقتصادية نفسها.. بل قد يكون الشرط الأساسي لإنجاحها.

فالإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى سلطة مستقرة وشرعية وإلى إرادة سياسية قادرة على اتخاذ القرارات الصعبة وتحمل تبعاتها.

ويبقى الأمل أن يشكل هذا التقرير خطوة إضافية نحو الانتقال من مرحلة تشخيص المشكلات إلى مرحلة تنفيذ الحلول بما يضع ليبيا على مسار الاستقرار والتنمية المستدامة.

“المزوغي”: قراءة تحليلية معمقة في منشور الأستاذ حسني بي.. صدمة الوقائع وعقيدة إصلاح الهيكل

كتب: متابعة للشأن الاقتصادي “عمر المزوغي” مقالاً

قراءة دقيقة ومسؤولة في منشور الأستاذ حسني بي؛ والكلمات تعكس بوضوح إحباط النخب الاقتصادية عندما تُجابه الحقائق العلمية بـ “العاطفة والشعبوية والتخوين”.

الرجل لا يطالب بـ “إلغاء حق المواطن”، بل يطالب بـ “تصحيح مسار تدفق الثروة”، وإليكم التفكيك العلمي والأعمق للنقاط السبع التي لخصت وجع الاقتصاد الليبي:

أولاً، وهم الدعم وعقيدة الاستنزاف (40% من الإنفاق العام):
عندما يلتهم بند واحد وهو دعم الطاقة قرابة 40% من الإنفاق العام للدولة، و35% من إجمالي إنتاج النفط والغاز (شاملاً حصة الشريك الأجنبي)؛ فإننا من منظور الاقتصاد الكلي لا نتحدث عن سياسة رفاهية اجتماعية، بل نتحدث عن “تدمير ممنهج لتكلفة الفرصة البديلة”.

هذه المليارات المهدرة في عوادم السيارات والتهريب هي في الأصل “نقد أجنبي ضائع” حُرم المصرف المركزي من إدخاله للاحتياطيات السيادية لدعم القيمة الشرائية للدينار الليبي والدفاع عن استقراره.

هذا ليس دعماً، هذا استنزاف للمستقبل وقضم لقيمة العملة الوطنية يومياً.

ثانياً، التشوه الطبقي (المنظومة تأخذ من الفقير لتعطي الغني والمهرب):
الدعم السلعي الحالي هو أكبر آلية لـ “تكريس عدم العدالة الاجتماعية” (Regressive Subsidy).

التكلفة يتحملها كل ليبي بالتساوي من حصته في ثروة النفط؛ لكن المستفيد الفعلي ليس الفقير أو المواطن البسيط، بل المستفيد الأول هو الغني الذي يستهلك أضعافاً مضاعفة عبر سياراته الفارهة ومصانعه، يليه المهرب الدولي ومراكز النفوذ التي تجني أرباحاً فلكية بالعملة الصعبة.

المنظومة الحالية تأخذ من حصة الفقير المادية لتمنحها للغني والمهرب على طبق من ذهب.

ثالثاً، تفكيك فزاعة التضخم (الاستبدال النقدي ليس إنفاقاً جديداً):
هذه هي النقطة الفنية الأهم التي يتناساها الأكاديميون المعارضون، ونؤكد عليها علمياً:
“الاستبدال النقدي ليس طبعة جديدة للعملة ولا يخلق زيادة في الكتلة النقدية المعروضة”.

الدولة تدفع هذه المليارات بالفعل بالعملة الصعبة من مبيعات النفط الخام عبر المقاصة والمبادلة الكارثية، وتحويلها إلى مبالغ نقدية (مثل الـ 500 دينار للفرد) هو مجرد “إعادة توجيه لنفس الكتلة النقدية الموجودة أصلاً” من قنوات الفساد والتوريد إلى جيب المواطن مباشرة.

والأثر على المعدل العام للأسعار لن يتجاوز الـ 1.8% كأثر تراكمي أولي لتكلفة النقل، وهي نسبة ضئيلة جداً وتكاد لا تذكر مقارنة بالوفر المالي والسيولة التي ستدخل ميزانية كل أسرة ليبية.

رابعاً، الأمانة الوطنية والمسؤولية التوعوية:
ختام منشور الأستاذ حسني يلخص الأمانة؛ الرجل يضع “مرآة الأرقام الصادمة” أمام الجميع، ثم يترك الخيار لإرادة الشعب.

التوعية وقول الحقيقة دون تجميل هي دور النخب الحقيقية قبل غرق السفينة.

استمرار الدفاع عن منظومة الدعم السلعي الحالية تحت شعار حماية قوت المواطن هو في حقيقته حماية لشبكات المصالح والاقتصاد الموازي المقتات على عرق الليبيين ومقدرات أجيالهم القادمة.

الخلاصة:
الأستاذ حسني بي لا يقدم وعوداً سلطوية، بل يضع تشخيصاً علمياً لا يقبل الطعن.

التحول من الدعم السلعي المنهوب إلى البديل الرقمي والمحوكم (الدعم النقدي المباشر وصيغ الاستثمار الشامل والإنتاج) هو طوق النجاة الوحيد لوقف الآلة الرسمية لتدمير الدينار الليبي.

الإصلاح يحتاج إلى شجاعة المواجهة، والتوعية بالحقائق هي الخطوة الأولى للتغيير.

أبرز ما جاء في تقرير المسار الاقتصادي بشأن الأوضاع المالية والاقتصادية في ليبيا

كشف تقرير المسار الاقتصادي عن تجاوز حجم الإنفاق العام التراكمي في ليبيا 1.4 تريليون دينار، مقابل تراجع الناتج المحلي الحقيقي من نحو 105 مليارات دولار عام 2012 إلى 34.5 مليار دولار عام 2021، مع تعافٍ جزئي إلى 48.5 مليار دولار خلال عام 2024.

وأوضح التقرير أن الخسائر التراكمية للاقتصاد الليبي منذ عام 2011 تجاوزت تريليون دولار، فيما بلغ الدين العام المحلي المعلن 303 مليارات دينار بنهاية عام 2025، بما يعادل 146% من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزاً مستوى الخطر المحدد من قبل صندوق النقد الدولي.

وأرجع التقرير تراكم الدين العام إلى الإنفاق خارج الأطر القانونية والانقسام المؤسسي والاعتماد على الترتيبات المالية المؤقتة والتمويل غير المباشر، مشيراً إلى أن الحجم الأمثل للإنفاق العام لتحقيق النمو دون اختلالات نقدية يقدر بنحو 105 مليارات دينار سنوياً، في حين بلغ الإنفاق الفعلي خلال عام 2025 نحو 250.5 مليار دينار، أي أكثر من ضعف المستوى الأمثل، ما تسبب في ضغوط تضخمية وتعميق فجوة سعر الصرف.

وبيّن التقرير أن المالية العامة الليبية تعتمد بأكثر من 98% على الإيرادات النفطية، بينما يذهب 73% من الإنفاق العام للمرتبات والدعم مقابل 11.3% فقط للتنمية. كما أشار إلى أن دعم المحروقات تجاوز 16.6 مليار دولار خلال عام 2024، مع استمرار عمليات التهريب وارتفاع فاتورة الوقود المستورد إلى 9.2 مليار دولار.

وأكد التقرير أن الاقتصاد الليبي والصادرات يتركزان بشكل شبه كامل على القطاع النفطي، مع ضعف مساهمة القطاعات الأخرى، لافتاً إلى وجود اختلالات تنموية واجتماعية وسكانية أثرت على الاستقرار الاقتصادي وأعاقت مسار التنمية، واستمرار التفاوت التنموي بين المناطق بما ساهم في تركز أكثر من 90% من السكان في الشريط الساحلي، خاصة في طرابلس وبنغازي.

وأضاف أن التفاوت التنموي عزز الشعور بغياب العدالة وأسهم في تعقيد المشهد السياسي والأمني بعد عام 2011، كما أشار إلى فشل استثمار ارتفاع نسبة الشباب بسبب ضعف مواءمة التعليم والتدريب مع احتياجات سوق العمل، والاعتماد المفرط على القطاع العام ومحدودية دور القطاع الخاص، ما أدى إلى اتساع فجوة المهارات وضعف فرص العمل المنتجة.

وحذر التقرير من تداعيات استمرار الوضع الراهن في حال عدم اعتماد إطار إصلاحي شامل خلال عامي 2026 و2027، متوقعاً استمرار انحدار الاقتصاد الليبي بوتيرة متسارعة، وانخفاض الاحتياطيات النقدية الأجنبية لدى المصرف المركزي، وتراكم العجز عن تمويل الاستيراد بما يهدد الأمن الغذائي والدوائي.

كما توقع التقرير استمرار انخفاض قيمة الدينار واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي إلى أكثر من 200% بحلول عام 2027، إلى جانب توسع اقتصاد الظل والتهريب وغسل الأموال وتهريب البشر والاتجار بالمخدرات ليصبح موازياً بنسبة تتجاوز 30% من الاقتصاد الرسمي.

وأشار التقرير إلى احتمالية تصاعد هجرة الكفاءات والكوادر الفنية والمهنية، وتفاقم الدين العام إلى ما يتجاوز 500 مليار دينار، وانهيار البنية التحتية والمرافق العامة، بما في ذلك قطاعات الطاقة والمياه والصحة والتعليم، نتيجة غياب الإنفاق التنموي وتحول ليبيا إلى سوق استهلاكي غير قادر على الإنتاج المحلي.

وفي جانب الإصلاحات، أوصى التقرير بوقف إصدار أي تشريعات لزيادة المرتبات إلى حين الانتهاء من توحيد المؤسسات ودمج الجهات المتكررة وتقليص أعدادها واعتماد هياكلها وملاكاتها الوظيفية، إلى جانب إصدار قانون موحد للمرتبات يراعي ألا يتجاوز الفرق بين الحد الأدنى والأقصى للأجور من 8 إلى 10 أضعاف.

كما دعا إلى الحد من التعيينات الجديدة في الوظيفة العامة إلا للضرورة، ودمج المؤسسات ذات الأغراض المتشابهة، وتقليص عدد الجهات الممولة من الميزانية، وخفض نفقات الإعاشة والضيافة والسفر والمؤتمرات وإيجارات المباني وسكن الموظفين وصيانة المرافق.

وشملت التوصيات منع شراء السيارات الفاخرة والمصفحة، ووقف إجراءات تمليك سيارات الدولة لمدة سنتين على الأقل، وتقليص عدد العاملين بالسفارات والبعثات الدبلوماسية، وإقفال أو دمج ما لا يقل عن نصف السفارات والبعثات الليبية بالخارج، إضافة إلى الاستمرار في تدقيق منظومة الرقم الوطني وربطها بمنظومة المرتبات لمنع الازدواجية والتزوير.

كما أوصى التقرير بمراجعة وإصلاح نظام المرتبات وربطه بمؤشرات الأداء، وتقليل عدد الموظفين بالإدارة الحكومية عبر التقاعد المبكر الطوعي والإحلال الانتقائي، والالتزام بتطبيق قانون التخطيط وعدم تجاوز نسبة 30% من عوائد النفط للإنفاق الجاري.

وفي قطاع النفط، أوصى التقرير بتنظيم العلاقة المؤسسية بين وزارة النفط والغاز والمؤسسة الوطنية للنفط ومجلس الطاقة، ودراسة تحويل المؤسسة الوطنية للنفط إلى شركة قابضة تعمل وفق معايير الكفاءة ومحاسبة التكاليف.

ودعا إلى تفعيل منظومة الرقابة على المشتريات ووقف عقود التكليف المباشر، وإقفال الميزانيات المتراكمة للمؤسسة الوطنية للنفط والشركات التابعة لها ومراجعة حساباتها الختامية، وإيقاف التعامل بآلية الدفع بالإنابة لافتقارها إلى الشفافية والرقابة.

كما أوصى بإيقاف عمليات مبادلة النفط لأي غرض، والالتزام ببيع النفط وشراء مشتقاته ومستلزمات إنتاجه عبر إجراءات ومناقصات شفافة، مؤكداً أن المؤسسة الوطنية للنفط هي الجهة الوحيدة المخولة ببيع النفط والغاز الليبي، على أن تتم عمليات البيع مقابل اعتمادات مستندية تودع قيمتها في المصرف الليبي الخارجي ومنه إلى حساب الخزانة العامة لدى مصرف ليبيا المركزي.

خاص.. صدى تنفي بشكل قاطع ما يتم تداوله من شائعات نُسبت إليها بشأن نشرها أخبار عن وفاة المحافظ السابق “الصديق الكبير”

نفت صحيفة صدى الاقتصادية بشكل قاطع ما يتم تداوله من شائعات نُسبت إليها بشأن نشرها أخبار عن وفاة محافظ مصرف ليبيا المركزي السابق “الصديق الكبير”

وأكد “الكبير” في اتصال مباشر مع صحيفة صدى الاقتصادية، أنه يتمتع بصحة جيدة، نافياً صحة الأخبار المتداولة بشأن وفاته.

كما تؤكد صحيفة صدى الاقتصادية أن هذه الصفحة هي صفحتها الرسمية الوحيدة والحالية على موقع فيسبوك، والمصدر المعتمد لنشر أخبارها ومحتواها، وتدعو المتابعين إلى عدم الانسياق وراء الصفحات المزيفة أو الأخبار غير الموثوقة.

خاص.. المركزي: مبيعات النقد الأجنبي لليوم تجاوزت 350 مليون دولار مع توقعاتنا بإرتفاع قيمة الدينار خلال الأيام القادمة

أفاد مصرف ليبيا المركزي، في تصريح حصري لصحيفة صدى الاقتصادية، بأن إجمالي مبيعات النقد الأجنبي اليوم الأحد تجاوز 350 مليون دولار أمريكي، ضمن جهوده المستمرة لتلبية الطلب على العملة الأجنبية.

وأوضح المصرف أن المبيعات توزعت بواقع 85 مليون دولار نقداً للأغراض الشخصية عبر مراكز المبيعات بالمصارف، و100 مليون دولار لتغطية طلبات الأفراد الخاصة بشحن البطاقات المصرفية، إضافة إلى أكثر من 175 مليون دولار لتغطية طلبات الاعتمادات المستندية والحوالات.

وأكد المصرف المركزي استمراره بوتيرة متسارعة في تلبية كافة طلبات النقد الأجنبي دون أي تباطؤ، متوقعاً بشكل قاطع ارتفاع قيمة الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية في تداولات السوق خلال الأيام المقبلة.

الحضيري: لا للكفاءة نعم للولاءات الجهوية لإدارة قطاع النفط

كتب: الخبير القانوني في مجال النفط “عثمان الحضيري” مقالاً

في ليبيا، لا يبدو أن معيار الكفاءة هو العامل الحاسم في إدارة قطاع النفط، رغم أنه القطاع الأهم في البلاد، فغالبًا ما تتقدم الاعتبارات الجهوية والقبلية والتحالفات السياسية على معايير الخبرة والإنجاز، مما يؤدي إلى إقصاء الكفاءات وإسناد المناصب لمن يملكون النفوذ أو الدعم السياسي.

كما أن جزءًا من الطبقة السياسية يجد مصلحته في التحالف مع شبكات الفساد، لأن الفساد أصبح وسيلة للحفاظ على الولاءات وتقاسم النفوذ والثروة، وعندما تتحول المؤسسات إلى ساحات للمحاصصة بدلًا من أن تكون أدوات لخدمة الدولة، تتراجع الكفاءة وتنتصر المصالح الضيقة.

إن بناء قطاع نفطي قوي ومستدام لا يحتاج إلى مزيد من الصراعات الجهوية أو القبلية، بل إلى إدارة مهنية مستقلة، ومحاسبة حقيقية، وإعطاء الفرصة لمن يملكون الخبرة والقدرة على العمل من أجل ليبيا كلها، لا من أجل جماعة أو منطقة أو تيار سياسي، والأيام القادمة حبلى بالمفاجاءات، وأتمنى إلا تتفق مع حدسي في الموضوع.

“بن طاهر”: برنامج دعم المحروقات بين واقع لا يمكنني الدفاع عنه ومستقبل لا أملك ما يكفي من الثقة للاطمئنان إليه

كتب: أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة طرابلس “حسن بن طاهر” مقالاً

كلما استمعت إلى المقترحات المتعلقة بإصلاح دعم المحروقات أجد نفسي في حالة من الحيرة لا بسبب صعوبة فهم الحلول المطروحة بل بسبب قناعتي المتزايدة بأن المشكلة في ليبيا لم تعد مشكلة برنامج دعم بقدر ما هي مشكلة دولة.

وللتوضيح فإنني لا أنحاز إلى وجهة نظر ضد أخرى ولا أدافع عن استمرار الوضع الحالي ولا أتبنى تلقائيا دعوات الاستبدال النقدي أو رفع الدعم أو غيرها من المقترحات بل ما زلت أبحث عمن يقنعني ويقدم إجابات مقنعة على الأسئلة الصعبة التي تفرضها طبيعة الواقع الليبي.

فأنا كاقتصادي إن صحت الصفة لا استطيع أن أدافع عن استمرار بيع المحروقات بهذه الأسعار الرمزية ولا استطيع أن اتجاهل حجم الهدر والتهريب والاستنزاف الذي أصبح يهدد الاقتصاد الليبي ويثقل كاهل المالية العامة وفي الوقت نفسه لا أستطيع أن أقنع نفسي بأن أي برنامج إصلاحي مهما بدأ مقنعاً على الورق يمكن أن يحقق النتائج الموعودة في ظل دولة لم تنجح حتى الآن في فرض سيطرتها على حدودها ولم تنجح في القضاء على التهريب ولم تنجح في حماية مواردها من عبث مراكز النفوذ والقوة.

وهنا تزداد حيرتي

فأنا أرى بوضوح أن الاستمرار في الوضع الحالي يقودنا إلى مزيد من الاستنزاف لكنني أخشى أيضا أن تقودنا وصفات الإصلاح في ظل هذا الواقع الى نتائج اشد قسوة على المواطن البسيط الذي لم يعد يحتمل أي مغامرة جديدة ولهذا أصبحت أميل إلى الاعتقاد بان ما نراه اليوم من أزمة في دعم المحروقات ليس سببه الحقيقي خللا في البرنامج وحده بل هو في جانب كبير منه انعكاس لفشل الدولة نفسها.

فحين تعجز الدولة عن إدارة الحدود وعن مكافحة التهريب وعن فرض القانون يصبح من الصعب علي أن أصدق أنها ستنجح فجأة في إدارة أي برامج إصلاحية.

وربما لهذا السبب تحديداً لا أزال أبحث عن إجابة مقنعة ولا أزال انتظر من أصحاب كل الاتجاهات أن يقدموا ما يبدد هذه الحيرة.

فانا لم أعد أملك موقفاً مسبقاً بقدر ما أملك أسئلة كثيرة ولا أريد الإنتصار لفكرة بقدر ما أريد الاطمئنان إلى أنها لن تجعل أوضاع المواطن الليبي أكثر صعوبة مما هي عليه اليوم كما أنني أصبحت أميل إلى الاعتقاد بأن جزءاً كبيراً من الجهد الفكري والإعلامي ينبغي أن يوجه نحو مواجهة جوهر المشكلة المتمثل في فشل الدولة وضعف مؤسساتها أكثر من انشغالنا الدائم بالصراع بين بدائل الدعم المختلفة فما جدوى تغيير البرنامج إذا بقيت البيئة التي أفسدته على حالها وما جدوى البحث عن آلية جديدة إذا كانت الدولة نفسها عاجزة عن حماية نتائجها.

ولهذا أجد نفسي حائراً بين واقع لا يمكن الدفاع عنه ومستقبل لا أملك ما يكفي من الثقة للاطمئنان إليه.

الشلوي: خط الغاز النيجيري عبر ليبيا.. مشروع قرنٍ قادر على إعادة تشكيل الاقتصاد الليبي

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

ليبيا وخط الغاز النيجيري إلى أوروبا: فرصة تاريخية لإعادة التموضع في خريطة الطاقة العالمية.

في ظل التنافس المتسارع بين الجزائر والمغرب، تمتلك ليبيا ميزة جغرافية واقتصادية فريدة قد تجعلها المسار الأكثر جدوى لنقل الغاز النيجيري إلى أوروبا، إذا ما تحولت هذه الميزة إلى مشروع وطني متكامل تدعمه الدبلوماسية والاقتصاد والاستثمار .

في عالم الطاقة لا تُصنع التحولات الكبرى بالصدفة، بل تفرضها الجغرافيا عندما تلتقي مع الرؤية السياسية والإرادة الوطنية. واليوم تقف ليبيا أمام واحدة من أهم الفرص الاستراتيجية التي قد تعيد رسم مكانتها الاقتصادية والجيوسياسية لعقود قادمة، وهي فرصة استقطاب مشروع خط أنابيب الغاز النيجيري المتجه إلى أوروبا عبر الأراضي الليبية.

هذه ليست مجرد منافسة على مشروع بنية تحتية أو استثمار في قطاع الطاقة، بل هي منافسة على موقع ليبيا في خريطة الطاقة العالمية خلال الخمسين عاماً المقبلة.

في الوقت الذي تتحرك فيه الجزائر بقوة لتسريع مشروع خط الغاز العابر للصحراء (نيجيريا – النيجر – الجزائر)، ويواصل المغرب الترويج لمشروعه الضخم الممتد على الساحل الأطلسي، فإن ليبيا تمتلك ورقة تفوق حقيقية قد تجعلها الخيار الأكثر جدوى اقتصادياً وفنياً إذا أحسنت استثمارها وتحويلها إلى مشروع دولة متكامل.

سباق ثلاثي.. ومن ينتصر يربح المستقبل

اليوم تتنافس ثلاثة مسارات رئيسية لنقل الغاز النيجيري إلى أوروبا:

  1. المسار الجزائري (نيجيريا – النيجر – الجزائر).
  2. المسار المغربي (نيجيريا – المغرب).
  3. المسار الليبي (نيجيريا – النيجر – تشاد – ليبيا – أوروبا).

ومن الخطأ النظر إلى هذا التنافس من زاوية سياسية ضيقة، فالدول الثلاث تسعى لتحقيق مصالحها الوطنية المشروعة، وتستخدم كل ما تملكه من أدوات دبلوماسية واقتصادية لجذب المشروع.

الجزائر تمتلك شبكة تصدير قائمة نحو أوروبا وخبرة طويلة في تجارة الغاز.

والمغرب يراهن على شراكات دولية واسعة ومسار طويل يمر بعدد كبير من الدول الأفريقية.

أما ليبيا، فتمتلك ما قد يكون العامل الحاسم في حسابات المستثمرين وشركات الطاقة الكبرى: أقصر طريق وأقل تكلفة وأسرع زمن للوصول إلى السوق الأوروبية.

لماذا ليبيا؟

إذا نظرنا إلى الأرقام بعيداً عن العواطف، فإن المسار الليبي يمتلك ميزات يصعب تجاهلها:

  • طول المسار المقترح يقارب 3300 كيلومتر.
  • أقصر بأكثر من ألف كيلومتر تقريباً من بعض البدائل المنافسة.
  • وجود بنية تحتية غازية قائمة بالفعل في غرب ليبيا.
  • إمكانية الربط مع منظومة Greenstream القائمة بين مليتة وصقلية.
  • أقصر مسافة بحرية نحو أوروبا.
  • إمكانية التوسع مستقبلاً في طاقات التصدير بأقل تكلفة إضافية.

في عالم الطاقة، كل كيلومتر إضافي يعني استثمارات أعلى ومخاطر أكبر وفترة استرداد أطول.

ولهذا فإن الشركات العالمية لا تنظر فقط إلى السياسة، بل إلى المعادلة الاقتصادية النهائية.

ومن هذه الزاوية تحديداً تبرز ليبيا كخيار تنافسي قوي للغاية.

ماذا تبحث عنه نيجيريا؟

كثير من النقاشات المحلية تنطلق من سؤال: ماذا تحتاج ليبيا؟

لكن السؤال الأهم هو: ماذا تريد نيجيريا؟

نيجيريا لا تبحث فقط عن ممر للغاز، بل تبحث عن:

  • أقل تكلفة ممكنة.
  • أسرع وصول للأسواق الأوروبية.
  • أقل مخاطر تشغيلية.
  • أعلى عائد استثماري.
  • شريك موثوق طويل الأجل.
  • تمويل دولي مضمون.

إذا استطاعت ليبيا تقديم حزمة متكاملة تحقق هذه الأهداف بصورة أفضل من المنافسين، فإن القرار الاقتصادي قد يميل تدريجياً لصالح المسار الليبي.

القرار النهائي لن يكون عاطفياً ولا سياسياً فقط، بل سيُبنى على معادلة الجدوى الاقتصادية والتمويلية والأمنية.

أوروبا تبحث عن الغاز.. وليبيا تملك فرصة نادرة

منذ التحولات الكبرى في سوق الطاقة العالمية، أصبح الاتحاد الأوروبي أكثر حرصاً على تنويع مصادر الغاز وتقليل الاعتماد على مورد واحد.

وهنا تظهر أهمية المشروع.

فأوروبا تحتاج:

  • مصادر جديدة.
  • إمدادات مستقرة.
  • مسارات متعددة.
  • تقليل مخاطر الانقطاع.

ومن هذه الزاوية يمكن لليبيا أن تقدم نفسها ليس كمجرد دولة عبور، بل كشريك استراتيجي في أمن الطاقة الأوروبي.

كلما ارتفع الطلب الأوروبي على تنويع الإمدادات، ارتفعت القيمة الاستراتيجية للموقع الليبي.

العوائد المالية: دخل يمتد لعقود

غالباً ما ينشغل البعض برسوم العبور فقط، بينما الحقيقة أن رسوم العبور تمثل جزءاً محدوداً من المكاسب المتوقعة.

العوائد المحتملة تشمل:

أولاً: رسوم العبور

إيرادات سنوية ثابتة لعقود طويلة قد تمتد إلى 30 أو 40 عاماً.

ثانياً: الاستثمار الأجنبي المباشر

المشروع يحتاج إلى:

  • محطات ضغط.
  • مراكز تشغيل.
  • منشآت تخزين.
  • خطوط ربط.
  • موانئ وخدمات لوجستية.

وكل ذلك يعني مليارات الدولارات من الاستثمارات داخل ليبيا.

ثالثاً: فرص العمل

آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة في:

  • الهندسة.
  • النقل.
  • الخدمات.
  • الصيانة.
  • المقاولات.

رابعاً: تنمية الجنوب

يمثل المشروع فرصة تاريخية لتحويل أجزاء واسعة من الجنوب الليبي إلى مناطق نشاط اقتصادي بدلاً من بقائها مناطق عبور فقط.

خامساً: تعزيز صادرات الغاز الليبي

وجود شبكة ضخمة عابرة للأراضي الليبية يفتح المجال مستقبلاً لزيادة صادرات الغاز الليبي نفسه وربط حقول جديدة بالأسواق الأوروبية.

المكاسب السياسية والجيوسياسية

الدول لا تقاس فقط بحجم إنتاجها النفطي، بل أيضاً بمدى تأثيرها في أمن الطاقة الإقليمي.

إذا نجح المشروع عبر ليبيا فإن الدولة الليبية ستتحول إلى:

  • عقدة طاقة إقليمية.
  • ممر استراتيجي بين أفريقيا وأوروبا.
  • شريك رئيسي في معادلات الطاقة المتوسطية.
  • لاعب مؤثر في ملفات التعاون الأفريقي الأوروبي.

عندها لن تكون ليبيا مجرد دولة مصدرة للنفط والغاز، بل دولة تتحكم أيضاً في أحد أهم شرايين الطاقة العابرة للقارات.

المكاسب الأمنية

قد يبدو الأمر متناقضاً للبعض، لكن المشاريع الاقتصادية الكبرى غالباً ما تنتج استقراراً أمنياً.

فكلما زادت الاستثمارات والبنية التحتية على امتداد المسار:

  • زادت الحاجة إلى تأمين المناطق.
  • تحسنت الخدمات.
  • ارتفعت فرص العمل.
  • تقلصت الأنشطة غير المشروعة.
  • تعزز حضور الدولة في المناطق النائية.

ولهذا فإن المشروع ليس مشروع طاقة فقط، بل مشروع أمن وتنمية واستقرار أيضاً.

هل قام القطاع الليبي بما يكفي؟

من الإنصاف القول إن القطاع النفطي الليبي بدأ خلال الفترة الأخيرة في إعادة طرح المشروع على طاولة النقاش، وعقد اجتماعات فنية وتنسيقية مع الجانب النيجيري، وشُكلت لجان لمتابعة الدراسات الأولية ومذكرات التفاهم والتصورات الهندسية.

هذه خطوات إيجابية ومهمة.

لكن الواقع يفرض سؤالاً مشروعاً:

هل حجم التحرك الليبي يتناسب مع حجم المنافسة القائمة؟

الإجابة على الأرجح: لا يزال هناك مجال واسع للمزيد.

فالجزائر تتحرك منذ سنوات على هذا الملف باعتباره مشروعاً استراتيجياً وطنياً.

والمغرب كذلك يوظف إمكاناته الدبلوماسية والاستثمارية والإعلامية للترويج لمشروعه.

أما ليبيا فما زالت بحاجة إلى:

  • تكثيف التواصل السياسي مع نيجيريا والنيجر وتشاد.
  • تسريع دراسات الجدوى التفصيلية.
  • إعداد عروض استثمارية وتمويلية أكثر جاذبية.
  • إشراك المؤسسات المالية الدولية.
  • بناء تحالفات مع شركات الطاقة الكبرى.
  • إطلاق حملة ترويج دولية احترافية للمشروع.

كيف يمكن لليبيا التفوق على المنافسين؟

التفوق لا يتحقق بالشعارات، بل بالأرقام.

ينبغي أن تقدم ليبيا لنيجيريا وأوروبا حزمة متكاملة تشمل:

  1. أقل تكلفة

إبراز ميزة قصر المسافة وانخفاض التكلفة الرأسمالية.

  1. أسرع تنفيذ

الاستفادة من البنية التحتية القائمة في غرب ليبيا.

  1. شراكة حقيقية

ضمان أن تكون نيجيريا شريكاً استراتيجياً في منظومة التصدير وليس مجرد مورد للغاز.

  1. حوافز استثمارية

تقديم إطار استثماري جاذب للشركات العالمية والمؤسسات الممولة.

  1. ضمانات أمنية وتشغيلية

وضع خطة حماية متكاملة للمشروع بالشراكة مع المؤسسات الوطنية.

مشروع دولة لا مشروع قطاع

أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه ليبيا هو التعامل مع هذا الملف باعتباره مشروعاً خاصاً بوزارة أو مؤسسة أو قطاع بعينه.

هذا مشروع دولة بكل معنى الكلمة.

نجاحه يتطلب:

  • تنسيقاً سيادياً.
  • دبلوماسية اقتصادية نشطة.
  • جهداً فنياً متخصصاً.
  • دعماً مالياً وتشريعياً.
  • خطاباً وطنياً موحداً.

فالفرصة المتاحة اليوم قد لا تتكرر غداً.

الخلاصة

مشروع خط الغاز النيجيري إلى أوروبا عبر ليبيا ليس مجرد أنبوب لنقل الغاز، بل مشروع يعيد تعريف دور ليبيا في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

إنه مصدر إيرادي طويل الأجل، ومنصة لجذب الاستثمارات، وأداة لتعزيز النفوذ السياسي، ومحرك للتنمية في الجنوب، وفرصة لترسيخ مكانة ليبيا كمركز طاقة محوري بين أفريقيا وأوروبا.

وفي ظل التنافس المشروع من الأشقاء في الجزائر والمغرب، فإن العامل الحاسم لن يكون الجغرافيا وحدها، بل قدرة ليبيا على تحويل ميزتها الجغرافية إلى عرض اقتصادي واستثماري وأمني أكثر إقناعاً.

إذا تحركت ليبيا بالسرعة والكفاءة المطلوبة، وقدمت نفسها كشريك موثوق وقادر على التنفيذ، فإن حظوظها في استقطاب هذا المشروع ستبقى قائمة وقوية.

أما إذا تأخر القرار أو تراجع الزخم، فإن الآخرين لن ينتظروا.

وفي عالم الطاقة، الفرص الكبرى لا تضيع عندما تكون غير موجودة، بل تضيع عندما لا نتحرك بالسرعة الكافية لاغتنامها.

الشلوي: البوري يكتب مرحلة جديدة للطاقة في ليبيا.. مليتة والمؤسسة الوطنية للنفط تقودان التحول نحو (( Zero Flaring ))

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي مقالاً

في خطوة تُعد من أهم التحولات الفنية والبيئية التي يشهدها قطاع النفط والغاز الليبي خلال السنوات الأخيرة، تواصل شركة مليتة للنفط والغاز، بالشراكة مع المؤسسة الوطنية للنفط، تنفيذ مشروع استغلال غاز حقل البوري البحري، ضمن رؤية استراتيجية تتجاوز البعد الإنتاجي التقليدي نحو ترسيخ مفهوم الاستدامة وتقليل الانبعاثات المصاحبة لعمليات الإنتاج النفطي.

إعلان شركة “سايبم” الإيطالية عن استكمال وتركيب وحدة استخلاص ومعالجة الغاز في حقل البوري لا يمثل مجرد إنجاز هندسي أو عملية رفع بحرية معقدة، بل يعكس تحولاً نوعياً في فلسفة إدارة الثروات الهيدروكربونية في ليبيا، خاصة فيما يتعلق بالغاز المصاحب الذي ظل لعقود يُهدر عبر عمليات الحرق التقليدية.

إن استرجاع الغاز المصاحب ونقله إلى مجمع مليتة للاستفادة منه محلياً أو توجيهه للتصدير، يمثل خطوة اقتصادية ذات أبعاد استراتيجية، فالعالم اليوم لم يعد يقيس نجاح الدول النفطية فقط بحجم إنتاجها، بل بمدى قدرتها على تقليل الانبعاثات الكربونية وتحويل الفاقد إلى قيمة مضافة.

ومن هذا المنطلق، فإن مشروع البوري يُعد عملياً أحد المشاريع الليبية القريبة من فلسفة “Zero Flaring” أو الوصول إلى صفر حرق للغاز، وهو المفهوم الذي أصبح محوراً رئيسياً في سياسات الطاقة العالمية الحديثة، خاصة في ظل التحولات المناخية والالتزامات البيئية الدولية.

ولعل ما يبعث على التفاؤل أن المؤسسة الوطنية للنفط وشركة مليتة باتتا تتحركان بخطوات أكثر وضوحاً نحو هذا المسار، ليس فقط من خلال تطوير البنية التحتية البحرية، بل عبر تبني مشاريع تعزز كفاءة استغلال الموارد وتقليل الانبعاثات وتحقيق الاستفادة القصوى من الغاز المصاحب.

لقد أصبح واضحاً أن ليبيا تمتلك الإمكانيات الفنية والاحتياطيات التي تؤهلها لأن تكون لاعباً مهماً في سوق الغاز الإقليمي والمتوسطي، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تطوير المشاريع التي تواكب المعايير البيئية العالمية وتمنح الاقتصاد الليبي قيمة مضافة مستدامة.

وبصفتي ممن تشرفوا سابقاً برئاسة أول لجنة لمبادرة 2030 المعنية بالوصول إلى صفر انبعاثات في القطاع النفطي الليبي، إلى جانب نخبة من خبراء النفط والطاقة، أرى أن ما يحدث اليوم في مشروع البوري يؤكد أن الرؤية التي طُرحت منذ سنوات لم تعد مجرد طموح نظري، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى واقع ميداني ملموس داخل القطاع.

إن نجاح هذا النوع من المشاريع لا يُحسب فقط كشهادة تقنية للشركات المنفذة، بل يُسجل كمكسب وطني للمؤسسة الوطنية للنفط ولكل الكفاءات الليبية التي آمنت مبكراً بأن مستقبل الصناعة النفطية لن يكون بالإنتاج وحده، وإنما بالإنتاج المسؤول والمستدام.

مشروع البوري اليوم ليس مجرد منصة بحرية جديدة، بل رسالة واضحة بأن ليبيا قادرة على دخول مرحلة جديدة من إدارة الطاقة، مرحلة يكون فيها الغاز المحروق بالأمس مورداً اقتصادياً واعداً يدعم التنمية ويعزز مكانة البلاد ضمن منظومة الطاقة المستدامة إقليمياً ودولياً.

“القريو”: رئيس المؤسسة الليبية للاستثمار يقود تحويل الاتفاقيات الاستثمارية إلى مشاريع فعلية تعزز عوائد المؤسسة

قال المستشار الإعلامي للمؤسسة الليبية للاستثمار، لؤي القريو أن علي محمود رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي للمؤسسة الليبية للاستثمار يقود جهوداً مكثفة لترجمة الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تبرمها المؤسسة إلى مشاريع واستثمارات فعلية ذات أثر اقتصادي مستدام، بما يعزز من دور المؤسسة كشريك استثماري فاعل على المستويين الإقليمي والدولي.

وأضاف القريو أن الاجتماع الذي عُقد مع شركة أوكيو العُمانية يأتي في إطار المتابعة المباشرة من الدكتور علي محمود لملف الشراكات الاستراتيجية، وحرصه على الانتقال السريع من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة التنفيذ العملي بما يحقق أهداف المؤسسة في تنويع الاستثمارات وتعظيم العوائد وبناء شراكات طويلة الأمد.

وتابع القريو أن هذه الجهود تنسجم مع توجيهات رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس أمناء المؤسسة الليبية للاستثمار، عبد الحميد الدبيبة، الرامية إلى تعزيز الحضور الاستثماري للمؤسسة وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي مع الشركاء الإقليميين والدوليين بما يخدم المصالح الاقتصادية للدولة الليبية وفق قوله .

“حسني بي” يروي أسباب مطالبته بالاستبدال النقدي الكامل لدعم المحروقات

قال رجل الأعمال حسني بي إن مطالبته بالاستبدال النقدي الكامل لدعم المحروقات والطاقة، الذي تتجاوز تكلفته 100 مليار دينار سنوياً، لا تنطلق من اعتبارات اقتصادية فقط، بل من أهداف اجتماعية وإنسانية بالدرجة الأولى، تتمثل في إخراج ما لا يقل عن ثلث الشعب الليبي من تحت خط الفقر.

وأوضح بي أن الـ100 مليار دينار التي تُهدر اليوم في منظومة الدعم السعري للطاقة والمحروقات لا تصل إلى الفقير، بل تذهب إلى التهريب والاقتصاد الموازي والاستهلاك المفرط، مشيراً إلى أن توجيه هذه الأموال مباشرة إلى المواطنين نقداً سيحقق عدة أهداف في وقت واحد.

وأضاف أن المواطن أدرى من أي مسؤول أو حكومة بأولويات أسرته، وسيصبح أكثر حرصاً على الإنفاق وترشيد استهلاك الوقود والطاقة، لافتاً إلى أن ترشيد الاستهلاك سيخفض واردات واستهلاك المحروقات الموردة من داخل ليبيا وخارجها بما لا يقل عن 40% من المخصص لها، ما يوفر أكثر من 6 مليارات دولار سنوياً.

وأكد أن توفير 6 مليارات دولار سنوياً سيؤدي إلى تحسن فوري في ميزان المدفوعات وتقليص الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي، الأمر الذي سينعكس على قوة الدينار وقدرة الدولة على تمويل التنمية والاستثمار والبنية التحتية.

وأشار بي إلى وجود جانب آخر لا يتحدث عنه كثيرون، موضحاً أنه كتاجر ورجل أعمال سيستفيد من هذا الإصلاح أيضاً، وقال: “عندما يمتلك ملايين الليبيين دخلاً حقيقياً وقدرة شرائية أفضل، فإنهم يشترون المزيد من السلع والخدمات، فتنمو التجارة والصناعة والاستثمار ويستفيد الجميع”.

وأضاف أن خروج المواطنين من دائرة الفقر سيقلل حاجتهم إلى طلب المساعدة والصدقات لتغطية احتياجاتهم الأساسية، من العلاج إلى مستلزمات المدارس وحتى أضاحي العيد، كما أن وصول نصيب المواطن من ثروة بلاده إليه مباشرة سيسهم في تراجع مشاعر الاحتقان والحسد والكراهية، ويحد من الاتهامات الموجهة إلى التجار والمقتدرين بالاستفادة من أموال وثروات الليبيين.

وفيما يتعلق بالمخاوف من التضخم، أوضح بي أن ارتفاع أسعار الوقود سيرفع أجور النقل بنحو 20% تقريباً، إلا أن أثر ذلك على المستوى العام للأسعار يظل محدوداً للغاية، مقدراً معدل التضخم الإضافي بنحو 1.8% فقط، وهو رقم ضئيل مقارنة بالمكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تحققها هذه الخطوة.

واختتم بي بالتأكيد على أن الوقت قد حان لوقف الدعم السلعي للمحروقات والطاقة، والبدء في دعم الإنسان نقداً ليختار أوجه إنفاقه وفق أولوياته، مضيفاً: “الثروة يجب أن تصل إلى المواطن نقداً، لا إلى المهرب سعراً”.

الشلوي: الخام الليبي يعزز حضوره في أمريكا وأوروبا بميزة تنافسية تتجاوز نفط الخليج

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

في عالم الطاقة، لا تُقاس أهمية النفط فقط بحجم الإنتاج، بل بنوعية الخام وقدرته على تحقيق قيمة مضافة داخل الأسواق العالمية، ومن هذا المنطلق، يواصل النفط الليبي ترسيخ مكانته كأحد أكثر الخامات طلباً في الأسواق الدولية، خصوصاً داخل أوروبا والولايات المتحدة.

البيانات الحديثة المتعلقة بواردات النفط إلى السوق الأمريكية أظهرت أن الخام الليبي يُحقق مستويات سعرية متميزة مقارنة بعدد من الخامات القادمة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو ما يعكس الثقة الكبيرة التي تحظى بها جودة النفط الليبي لدى شركات التكرير العالمية.

ويُعرف النفط الليبي بأنه من فئة الخامات الخفيفة منخفضة الكبريت، وهي ميزة فنية مهمة تمنحه أفضلية كبيرة داخل المصافي الحديثة، إذ يساعد على تقليل تكاليف التكرير ورفع كفاءة الإنتاج، إضافة إلى إنتاج نسب أعلى من المشتقات عالية الجودة مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات.

كما أن القرب الجغرافي لليبيا من الأسواق الأوروبية يمنح الخام الليبي ميزة لوجستية مهمة، حيث تتم عمليات الشحن عبر البحر المتوسط بزمن أقل وتكاليف أكثر تنافسية مقارنة ببعض المسارات البعيدة، ما يعزز جاذبية النفط الليبي لدى المشترين والتجار الدوليين.

وتُظهر المؤشرات أن متوسط الإنتاج الليبي حافظ خلال الفترة الأخيرة على مستويات مستقرة نسبياً، وهو ما يعكس أهمية ليبيا كأحد المنتجين الرئيسيين في منطقة المتوسط وشمال أفريقيا، خاصة مع امتلاك البلاد أكبر احتياطي نفطي مؤكد في القارة الأفريقية.

كما تتميز بعض الخامات الليبية، مثل السدرة والشرارة وإسدير، بدرجات جودة مرتفعة تجعلها تحظى أحياناً بعلاوات سعرية في الأسواق العالمية، نتيجة انخفاض نسبة الكبريت وارتفاع درجة الكثافة النوعية، وهي عوامل فنية تمنح الخام الليبي قيمة إضافية لدى المصافي الدولية.

وعلى الرغم من التحولات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي، ما زال النفط الليبي يحتفظ بمكانته الاستراتيجية بفضل مزيج من الجودة العالية والموقع الجغرافي المميز والخبرة التاريخية لقطاع النفط الليبي.

وفي ظل تزايد الاهتمام العالمي بأمن الطاقة وتنويع مصادر الإمداد، تبدو ليبيا مؤهلة لتعزيز حضورها بشكل أكبر داخل أسواق الطاقة الدولية، سواء عبر زيادة الإنتاج مستقبلاً أو من خلال تطوير الصناعات المرتبطة بالطاقة والبتروكيماويات والخدمات اللوجستية.

إن النفط الليبي لا يمثل مجرد مصدر دخل اقتصادي، بل يشكل ركيزة استراتيجية تمنح ليبيا ثقلاً متزايداً في معادلة الطاقة العالمية، بفضل جودة خاماته وقدرته على تلبية احتياجات الأسواق الكبرى بكفاءة عالية، ومع امتلاك البلاد أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا وموقعاً جغرافياً يربط بين أوروبا وأفريقيا والبحر المتوسط، فإن ليبيا تمتلك فرصة حقيقية لتعزيز دورها كمركز محوري في أمن الطاقة الإقليمي والدولي.

وفي حال استثمار هذه المقومات بشكل فعّال، يمكن لقطاع النفط الليبي أن يتحول إلى قوة دفع اقتصادية واستراتيجية تضع ليبيا في موقع أكثر تأثيراً داخل أسواق الطاقة العالمية خلال السنوات المقبلة.

“الشلوي”: ليبيا وحدود الثروة.. معركة السيادة الوطنية على النفط والغاز في البر والبحر

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

في عالم اليوم، لم تعد الحدود مجرد خطوط جغرافية تفصل بين الدول، بل أصبحت حدودًا للسيادة الاقتصادية والأمن القومي ومستقبل الأجيال القادمة، وتُعد ليبيا، بما تمتلكه من موقع استراتيجي ومساحات بحرية وبرية واسعة واحتياطيات ضخمة من النفط والغاز، واحدة من أهم الدول التي تواجه تحديًا تاريخيًا يتمثل في حماية حقوقها السيادية وترسيم حدودها الاقتصادية بصورة دقيقة وعادلة تحفظ ثرواتها الوطنية.

إن ملف الحدود البرية والبحرية الليبية لم يعد شأنًا قانونيًا أو دبلوماسيًا فحسب، بل تحول إلى قضية وجود وطني تتعلق بحق الشعب الليبي في موارده الطبيعية، وبقدرة الدولة الليبية على الدفاع عن خيراتها في مواجهة التنافس الإقليمي والدولي المتزايد على مصادر الطاقة في البحر المتوسط وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء.

ومع الاكتشافات المتسارعة للغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وعودة الاهتمام العالمي بالطاقة التقليدية بعد الأزمات الدولية المتلاحقة، أصبحت ليبيا أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر، لكنها في الوقت ذاته أمام تحديات ضخمة تتطلب وحدة وطنية ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.

أولاً: ليبيا وقيمة الموقع الجيوسياسي والطاقة

تمتلك ليبيا أطول ساحل على البحر المتوسط في أفريقيا بطول يقارب 1900 كيلومتر، وتجاور ست دول بريًا هي: مصر شرقًا، الجزائر وتونس غربًا، السودان وتشاد والنيجر جنوبًا. كما تقع في قلب أهم أحواض الطاقة العالمية وأكثرها حساسية سياسيًا واقتصاديًا.

وتقدر الاحتياطيات النفطية الليبية المؤكدة بأكثر من 48 مليار برميل، وهي الأكبر في أفريقيا، بينما تتجاوز احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة 53 تريليون قدم مكعب، مع وجود مؤشرات جيولوجية قوية على اكتشافات أكبر مستقبلًا، خاصة في المياه الاقتصادية البحرية وفي الأحواض الحدودية غير المستكشفة بالكامل.

ورغم أن معظم الإنتاج الحالي يتركز في أحواض سرت ومرزق وغدامس، فإن الدراسات الزلزالية الحديثة والمؤشرات الجيوفيزيائية تشير إلى وجود احتمالات واعدة جدًا في:

  • الجرف القاري الليبي شمالًا.
  • المناطق البحرية شرق ليبيا باتجاه الحدود المصرية.
  • المياه العميقة شمال غرب ليبيا.
  • أحواض غدامس المشتركة قرب الجزائر وتونس.
  • الأحواض الجنوبية المتصلة جيولوجيًا مع تشاد والنيجر.

ثانيًا: شرق المتوسط… سباق الغاز العالمي الجديد

شهد شرق البحر المتوسط خلال العقدين الأخيرين اكتشافات غازية ضخمة غيّرت خريطة الطاقة العالمية، من أبرزها:

  • حقل ظهر المصري باحتياطي يتجاوز 30 تريليون قدم مكعب.
  • حقل ليفياثان الإسرائيلي.
  • حقول قبرص البحرية.
  • اكتشافات متزايدة قبالة السواحل التركية واليونانية.

هذه الاكتشافات تؤكد علميًا أن الحوض الجيولوجي الممتد شمال وشرق ليبيا يحتوي على تراكيب واعدة مشابهة، خصوصًا أن التكوينات الصخرية والامتدادات الرسوبية لا تعترف بالحدود السياسية.

ويعتقد العديد من الخبراء أن المياه الاقتصادية الليبية لا تزال من أقل المناطق استكشافًا في المتوسط مقارنة بالدول المجاورة، رغم امتلاكها مؤشرات جيولوجية قد تجعلها من أهم مناطق الغاز مستقبلًا.

ثالثًا: أهمية ترسيم الحدود البحرية والبرية

إن ترسيم الحدود ليس عملًا إداريًا شكليًا، بل هو إعلان فعلي للسيادة الوطنية وحماية للثروة القومية.

فكل تأخير أو ضعف أو غياب للرؤية الوطنية في هذا الملف قد يؤدي إلى:

  • ضياع حقوق ليبيا في حقول مشتركة.
  • استنزاف الثروات العابرة للحدود.
  • فرض أمر واقع من قبل دول أو شركات أجنبية.
  • خسارة مليارات الدولارات من العائدات المستقبلية.
  • تعريض الأمن القومي الليبي لمخاطر استراتيجية طويلة الأمد.

ولهذا تعتمد الدول القوية على فرق متكاملة تضم:

  • خبراء قانون دولي.
  • جيولوجيين وجيوفيزيائيين.
  • خبراء حدود ومساحة بحرية.
  • مؤسسات سيادية وأمنية.
  • أجهزة استخبارات اقتصادية.
  • مراكز أبحاث استراتيجية.

    رابعًا: ماذا يقول القانون الدولي؟

ينظم القانون الدولي البحري مسألة الحدود الاقتصادية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي تمنح الدول الساحلية حقوقًا سيادية داخل:

  1. البحر الإقليمي

ويمتد حتى 12 ميلًا بحريًا.

  1. المنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ)

وتمتد حتى 200 ميل بحري، وتمنح الدولة حق استغلال الثروات الطبيعية.

  1. الجرف القاري

ويشمل الموارد الموجودة في قاع البحر وما تحته من ثروات نفطية وغازية.

وفي حال تداخل المطالبات البحرية بين الدول، يتم اللجوء إلى:

  • المفاوضات الثنائية.
  • التحكيم الدولي.
  • محكمة العدل الدولية.
  • المحكمة الدولية لقانون البحار.

أما في الحدود البرية، فتُستخدم الخرائط التاريخية والاتفاقيات والمعايير الجغرافية لتحديد الحقوق السيادية.

خامسًا: الحدود البرية الليبية ومؤملات الطاقة

مع الجزائر وتونس غربًا

يُعد حوض غدامس من أهم الأحواض النفطية المشتركة في شمال أفريقيا، وقد أثبت إنتاجه لعقود غناه بالنفط والغاز. وتوجد احتمالات قوية لامتدادات جيولوجية غير مطورة بالكامل قرب الحدود الغربية.

كما أن الجزائر تُعد من أكبر منتجي الغاز في أفريقيا، ما يعزز فرضية وجود تراكيب غازية عابرة للحدود تحتاج إلى إدارة دقيقة وتعاون يحفظ الحقوق الليبية.

مع مصر شرقًا

المنطقة البحرية الشرقية أصبحت ذات حساسية استراتيجية عالية بعد اكتشافات الغاز المصرية الكبرى. وهناك ضرورة قصوى لاستكمال الدراسات البحرية الليبية وتعزيز الحضور الفني والقانوني الليبي في شرق المتوسط.

مع تشاد والنيجر جنوبًا

رغم ضعف الاستكشاف جنوبًا مقارنة بالشمال، فإن الأحواض الرسوبية الممتدة نحو تشاد والنيجر تحمل مؤشرات واعدة للهيدروكربونات والمعادن الاستراتيجية، خصوصًا مع التوسع العالمي في البحث عن مصادر الطاقة والمعادن النادرة.

سادسًا: الثروة النفطية ليست مجرد اقتصاد… بل أمن قومي

إن النفط والغاز في ليبيا لا يمثلان مجرد مصدر دخل مالي، بل يشكلان:

  • العمود الفقري للاقتصاد الوطني.
  • عنصر استقرار اجتماعي وسياسي.
  • ركيزة قوة الدولة الليبية.
  • ضمانة حقوق الأجيال القادمة.

ولذلك فإن حماية الثروة الوطنية تبدأ من:

  • حماية الحدود.
  • بناء مؤسسات قوية.
  • توحيد القرار السيادي.
  • تعزيز القدرات البحرية والجوية.
  • تطوير أجهزة الرصد والمسح البحري.
  • تحديث البيانات الجيولوجية.
  • تشجيع الاستثمار بشروط تحفظ السيادة.

سابعًا: ما المطلوب من الدولة الليبية اليوم؟

  1. إطلاق مشروع وطني شامل لترسيم الحدود

بمشاركة كل المؤسسات الفنية والسيادية.

  1. إنشاء مجلس أعلى للسيادة الطاقوية

يضم:

  • المؤسسة الوطنية للنفط.
  • وزارة الخارجية.
  • وزارة الدفاع.
  • الأجهزة الأمنية.
  • خبراء القانون الدولي والطاقة.
  1. تحديث الدراسات البحرية والزلزالية

باستخدام أحدث التقنيات العالمية.

  1. تعزيز الحضور البحري الليبي

لحماية المياه الاقتصادية ومنع أي تجاوزات.

  1. توحيد الخطاب السياسي الوطني

لأن الانقسام الداخلي يُضعف الموقف الليبي دوليًا.

  1. إشراك الرأي العام الليبي

حتى تتحول قضية الثروات والسيادة إلى قضية وطنية جامعة.

ثامنًا: دور الشعب الليبي والنخب الوطنية

إن معركة حماية ثروات ليبيا ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي واجب وطني يشترك فيه الجميع:

  • السياسي.
  • العسكري.
  • الاقتصادي.
  • الأكاديمي.
  • الإعلامي.
  • المواطن البسيط.

فالدول التي حافظت على ثرواتها لم تفعل ذلك بالقوة العسكرية وحدها، بل بالوعي الوطني والتماسك الداخلي والإدارة الرشيدة.

وليبيا اليوم تحتاج إلى مشروع وطني جامع يضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات الضيقة، لأن الصراع القادم عالميًا سيكون على الطاقة والمياه والغذاء، ومن يمتلك موارده ويحسن الدفاع عنها يضمن مستقبله لعقود طويلة.

خاتمة

إن ليبيا تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تتحول ثرواتها الهائلة إلى قوة اقتصادية وسيادية تصنع مستقبلًا مزدهرًا للأجيال القادمة، وإما أن تضيع الفرص وسط الانقسام والإهمال وضعف الرؤية الاستراتيجية.

إن حماية الحدود الاقتصادية والبحرية والبرية ليست ترفًا سياسيًا، بل معركة سيادة ووجود وكرامة وطنية.

وليبيا، بما تملكه من موقع وثروات وشعب، قادرة على أن تكون واحدة من أعظم دول الطاقة في العالم، إذا توحدت الإرادة الوطنية، وتضافرت جهود مؤسسات الدولة، وتحول ملف الثروات الوطنية إلى قضية أمن قومي فوق كل الخلافات.

فخيرات ليبيا ليست ملك جيل واحد، بل في أعناق الجميع… للأحياء اليوم، ولأجيال الغد.