كتب: الخبير الاقتصادي “صابر الوحش” مقالاً قال خلاله:
تحول في السياسة النقدية
الرسالتان الدوريتان (472) و(494) الصادرتان عن مصرف ليبيا المركزي يمكن قراءتهما ليس فقط كإجراءات مصرفية فنية، بل كجزء من تحول أوسع في السياسة النقدية وإدارة سوق النقد الأجنبي في ليبيا خلال 2026.
اقتصادياً، ما يحدث يعكس أن المصرف المركزي بدأ يشعر بأن مرحلة “التوسع في إتاحة النقد الأجنبي” خلقت آثاراً جانبية ومخاطر تستوجب الانتقال إلى مرحلة “الرقابة والانضباط” ويمكن تحليل ذلك من عدة زوايا:
أولاً: الانتقال من سياسة الضخ إلى سياسة الضبط: خلال الفترة الماضية، وخاصة بعد تعديل سعر الصرف، التوسع في الاعتمادات، تسهيل الحوالات الى حداً ما، وعودة بيع النقد الأجنبي للأغراض المختلفة، أصبح هناك تدفق كبير للطلب على الدولار عبر القنوات الرسمية. في البداية كان الهدف تخفيف الضغط على السوق الموازي، امتصاص الطلب الحقيقي، وتحقيق الاستقرار النقدي. لكن يبدو أن المصرف المركزي اكتشف أن جزءاً من هذا الطلب لم يكن طلباً حقيقياً بالكامل، بل دخلت عليه المضاربة، الاعتمادات الصورية، المبالغة في الفواتير، والتحويلات التي قد لا يقابلها نشاط اقتصادي فعلي. لذلك جاءت الرسالتان كمرحلة “فرملة تنظيمية” بالتزامن مع مرحلة التوسع.
ثانياً: خوف المصرف من استنزاف الاحتياطي الأجنبي: فالرسالتان تعكسان قلقاً واضحاً بشأن حجم استخدام النقد الأجنبي، سرعة نمو الاعتمادات، واتساع الطلب على الدولار. وهذا مهم جداً لأن الاقتصاد الليبي يعتمد أساساً على إيرادات النفط وليس على اقتصاد إنتاجي مولد للنقد الأجنبي، أي أن استمرار التوسع دون رقابة قد يؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات، زيادة العجز الخارجي، وعودة الضغط على سعر الصرف، بمعنى آخر المصرف المركزي لا يريد أن يتحول فتح الاعتمادات والحوالات إلى قناة مفتوحة لتسرب الاحتياطي.
ثالثاً: الرسالتان تعكسان وجود خلل في سلوك بعض المصارف: اقتصادياً، حين يصدر المركزي رسائل بهذا المستوى من التشدد، فهذا غالباً يعني أنه رصد ضعفاً في الامتثال، تهاوناً في التحقق من المستندات، أو تسابقاً بين بعض المصارف على فتح الاعتمادات دون تدقيق كافٍ، وهذا يحدث عادة عندما تحقق المصارف أرباحاً كبيرة من عمولات النقد الأجنبي فيتحول التركيز من جودة العملية إلى حجم العمليات، لذلك فالمركزي يحاول إعادة ضبط العلاقة بين الربحية المصرفية، والانضباط الرقابي.
رابعاً: العلاقة بالسوق الموازي: الرسالتان لهما جانب مهم يتعلق بالسوق الموازي، في الفترة الأخيرة بدأ المركزي يسحب جزءاً كبيراً من الطلب من السوق الموازي إلى المنظومة الرسمية عبر الحوالات المباشرة خصوصاً ما تم الاتفاق عليه مع الصين، والتوسع في بيع النقد الأجنبي عبر الأغراض الشخصية والاعتمادات، لكن إن لم تكن هناك رقابة قوية، فقد تتحول هذه الأدوات نفسها إلى مصدر لتغذية السوق الموازي بالدولار الرسمي. أي أن بعض المستفيدين قد يحصلون على الدولار بالسعر الرسمي ثم يعيدون توجيهه للمضاربة أو التجارة غير الرسمية.
خامساً: مؤشر على أن المركزي قلق من الاقتصاد الموازي: الاقتصاد الليبي يعاني من تضخم الاقتصاد غير الرسمي واقتصاد الظل، وهذا يخلق مشكلة كبيرة، لأن جزءاً ضخماً من الطلب على الدولار لا يخضع للرقابة، بينما يتم تمويله أحياناً عبر القنوات الرسمية، ولهذا فالمصرف المركزي يحاول الآن تتبع مصدر الأموال، والتأكد من وجود نشاط اقتصادي حقيقي، وربط التحويلات والاعتمادات بمستندات فعلية. وهذا يتقاطع مباشرة مع مكافحة غسل الأموال، وتمويل الأنشطة غير الرسمية، والتهريب التجاري.
سادساً: ماذا تعني هذه الرسائل مستقبلاً؟ اقتصادياً، هذه الرسائل قد تقود إلى واحد من مسارين:
المسار الإيجابي: إذا نجحت الرقابة ينخفض الطلب الوهمي على الدولار، يتحسن استخدام الاحتياطي، تستقر السوق، ويضعف السوق الموازي تدريجياً.
المسار السلبي: أما إذا تحولت الإجراءات إلى بطء شديد، تعقيد مصرفي، أو تشدد مبالغ فيه، فقد يحدث العكس، أي عودة التجار للسوق الموازي، ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازي، وزيادة تكلفة الاستيراد.
ولهذا فالتحدي الحقيقي ليس فقط “التشدد”، بل: تحقيق توازن بين الرقابة والانسيابية.
واختصاراً الرسالتان تمثلان تحولاً في فلسفة السياسة النقدية في ليبيا من سياسة توفير الدولار وتوسيع القنوات الرسمية الى سياسة إدارة الطلب على الدولار وضبط استخدامه، وهذا يعني أن المصرف المركزي بدأ يدرك أن مشكلة النقد الأجنبي في ليبيا ليست فقط “توفير الدولار”، بل أيضاً كيفية استخدامه، ومن يحصل عليه، وهل يذهب للاقتصاد الحقيقي أم للمضاربة والاقتصاد الموازي.