كتب الخبير المصرفي “نعمان البوري” مقالًا قال خلاله:
أعتقد أن واحدة من أكبر الأخطاء التي نرتكبها في ليبيا هي اعتقادنا بأن تغيير الأشخاص كفيل بتغيير الواقع.
نُخرج مسؤولًا ونأتي بآخر، نُغيّر مجلس إدارة، نُعيّن حكومة جديدة، أو نستبدل محافظًا بآخر… ثم ننتظر نتائج مختلفة.
لكننا ننسى السؤال الأهم:
هل المشكلة فعلًا في الأشخاص، أم في المنظومة التي يعملون داخلها؟
الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من أزمة ليبيا اليوم ليس أزمة أشخاص، وإنما أزمة منظومة تشغيلية ومؤسسية صُممت، أو تطورت عبر السنوات، بطريقة تجعلها غير قادرة على إنتاج نتائج سليمة.
في مثل هذه المنظومة، حتى الشخص الجيد والمخلص سيجد نفسه عاجزًا عن تحقيق الكثير.
ليس لأنه لا يريد الإصلاح، وإنما لأن قواعد اللعبة نفسها لا تسمح له بذلك.
المنظومة أقوى من الفرد
عندما تدخل مؤسسة تعمل وفق إجراءات معقدة، وصلاحيات غير واضحة، وغياب للمساءلة، وتداخل في الاختصاصات، وضعف في الرقابة، وتضارب في المصالح، يصبح من الصعب جدًا على أي شخص أن يعمل بكفاءة.
وفي النهاية، يحدث أحد أمرين:
إما أن يستسلم الشخص للمنظومة ويتكيف معها، أو يحاول مقاومتها فيجد نفسه معزولًا وغير قادر على تنفيذ ما يريد.
وهنا تكمن الخطورة.
فالمنظومة الفاسدة لا تفسد الأشخاص بالضرورة لأنهم فاسدون، وإنما قد تدفع حتى الأشخاص الجيدين إلى التكيف مع قواعدها حتى يتمكنوا من البقاء والعمل.
ولهذا فإن تغيير شخص واحد داخل منظومة مختلة قد يعطي الناس شعورًا بأن شيئًا تغير، بينما في الواقع لم يتغير شيء جوهري.
المشكلة ليست في من يجلس على الكرسي فقط
علينا أن نتوقف عن اختزال الأزمة الليبية في سؤال:
“من هو الشخص المناسب؟”
والبدء بالسؤال:
“هل النظام الذي سيعمل داخله هذا الشخص مصمم أصلًا لكي ينجح؟”
إذا كانت الإجابة لا، فإن أفضل شخص في العالم لن يستطيع تحقيق المعجزات.
نحن بحاجة إلى إعادة النظر في طريقة عمل مؤسسات الدولة من الأساس:
- كيف تُتخذ القرارات؟
- من يملك الصلاحية؟
- من يُحاسب عند الخطأ؟
- كيف تُقاس النتائج؟
- كيف يتم اختيار القيادات؟
- كيف تتم التعيينات؟
- كيف تُدار الأموال العامة؟
- كيف يُمنع تضارب المصالح؟
- كيف تُطبق القوانين؟
- وكيف تضمن المؤسسات استقلاليتها وشفافيتها؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون في قلب أي مشروع إصلاحي حقيقي.
لا يمكن إصلاح منظومة فاشلة بنفس أدواتها
لا يمكن أن نطلب من نفس المنظومة التي أنتجت الفشل أن تقوم بإصلاح نفسها دون تغيير قواعد عملها.
الإصلاح الحقيقي لا يعني فقط استبدال الأشخاص، وإنما إعادة هندسة المؤسسات نفسها.
نحتاج إلى منظومة تجعل الشخص الجيد قادرًا على النجاح، وتجعل الفساد أكثر صعوبة، وتجعل القرار الصحيح أكثر سهولة، وتجعل المسؤول يعرف أن هناك نتائج ومساءلة مرتبطة بقراراته.
نحتاج إلى الانتقال من منظومة تعتمد على الأشخاص والعلاقات والنفوذ إلى منظومة تعتمد على القانون، والمؤسسات، والكفاءة، والشفافية، والمساءلة.
لا نريد “رجلًا صالحًا” داخل منظومة فاسدة
حتى أفضل المسؤولين سيواجهون حدودًا إذا كانت المؤسسة التي يقودها لا تعمل.
ولهذا فإن الرهان على “الشخص المنقذ” قد يكون خطيرًا؛ لأنه يعيد إنتاج نفس المشكلة.
نحن لا نحتاج إلى شخص خارق.
نحتاج إلى نظام يجعل الشخص العادي الكفء قادرًا على أداء عمله بشكل صحيح.
هذه هي قوة الدول والمؤسسات الناجحة.
الدولة الناجحة لا تعتمد على عبقرية الوزير أو المحافظ أو المدير.
بل تعتمد على أن المؤسسة نفسها تعمل، بغض النظر عمن يجلس على الكرسي.
ليبيا تحتاج إلى إعادة تصميم، وليس مجرد تغيير
إذا أردنا فعلًا الخروج من الأزمة، فعلينا أن ننتقل من سياسة “تغيير الأشخاص” إلى مشروع أكبر بكثير:
إعادة تصميم الدولة الليبية وطريقة تشغيل مؤسساتها.
نحتاج إلى مؤسسات واضحة الاختصاصات، وقرارات مبنية على البيانات، وقيادات يتم اختيارها على أساس الكفاءة، ومؤشرات أداء واضحة، ومساءلة حقيقية، ورقابة فعالة، وقضاء محترم ومستقل، وإدارة مالية شفافة.
عندها فقط يصبح تغيير الأشخاص ذا معنى.
أما تغيير الأشخاص مع إبقاء نفس القواعد ونفس الإجراءات ونفس مراكز النفوذ ونفس طريقة اتخاذ القرار، فهو في أحسن الأحوال تغيير للواجهة، وليس تغييرًا للواقع.
الخلاصة
ليبيا لا تعاني فقط من نقص في الأشخاص الجيدين؛ ليبيا تعاني من منظومة لا تسمح للأشخاص الجيدين بأن يعملوا.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست مع شخص أو مسؤول أو حكومة.
المعركة الحقيقية هي مع منظومة كاملة تحتاج إلى إعادة بناء.
إذا أصلحنا المنظومة، سيستطيع الشخص الجيد أن ينجح.
وإذا أبقينا المنظومة كما هي، فسوف تبتلع الأشخاص واحدًا تلو الآخر.
لا نحتاج فقط إلى تغيير من يدير ليبيا، نحتاج إلى تغيير الطريقة التي تُدار بها ليبيا، وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي